كشفت صحيفة "البايس" الإسبانية، نقلاً عن مصادر عسكرية رفيعة، عن قرار مفصلي اتخذته الحكومة الإسبانية يقضي بإغلاق مجالها الجوي تماماً أمام الطائرات العسكرية الأمريكية المشاركة في الهجمات على إيران، وهي الخطوة التي وصفت بأنها تصعيد سياسي غير مسبوق من دولة عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو" تجاه حليفتها الكبرى واشنطن.
وأوضحت الصحيفة، اليوم الإثنين، أن هذا القرار الذي دخل حيز التنفيذ الفوري لا يشمل حالات الطوارئ القصوى، إلا أنه يضع عراقيل لوجستية جسيمة أمام سلاح الجو الأمريكي، حيث يجبر الطائرات العسكرية على تغيير مساراتها المعتادة والتحليق لمسافات طويلة حول شبه الجزيرة الإيبيرية أثناء توجهها نحو أهدافها في الشرق الأوسط.
إن هذا القرار يمثل رسالة سيادية واضحة من مدريد بأن أراضيها وأجواءها لن تكون منصة لعمليات عسكرية لا تحظى بإجماع دولي أو غطاء قانوني واضح، مما يربك الجداول الزمنية والخطط العملياتية للولايات المتحدة في المنطقة.
القانون الدولي فوق التحالفات: رؤية حكومة سانتشيث للأزمة الراهنة
أكد وزير الاقتصاد الإسباني، كارلوس كويربو، في تصريحات حازمة لإذاعة "كادينا سير"، أن هذه الخطوة تأتي في إطار التزام حكومي صارم بعدم المشاركة أو المساهمة في حرب اعتبرتها مدريد "بدأت من جانب واحد وبما يخالف القانون الدولي".
ومن جانبه، لم يتردد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانتشيث، في وصف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية المستمرة على إيران بأنها عمليات "متهورة وغير قانونية"، مجدداً رفض بلاده القاطع للانخراط في هذا النزاع أو تقديم أي شكل من أشكال الدعم اللوجستي أو العسكري له.
إن هذا الموقف يعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الإسبانية التي باتت تعلي قيم القانون الدولي وحقوق الإنسان فوق الالتزامات التقليدية داخل حلف الناتو، وهو ما وضع مدريد في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية التي كانت تعتمد على القواعد الجوية الإسبانية كنقاط ارتكاز استراتيجية لعملياتها العسكرية العابرة للقارات.
طبول الحرب التجارية: تهديدات ترامب وتصاعد التوتر بين مدريد وواشنطن
يأتي هذا التطور الدراماتيكي في سياق توتر متصاعد وحرب كلامية بين مدريد وواشنطن، إذ سبق وأن رفضت الحكومة الإسبانية بشكل قاطع السماح باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة في العمليات الجارية ضد طهران، وهو الرفض الذي أثار غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودفع به إلى التهديد علانية بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا وفرض عقوبات اقتصادية عليها.
ويرى مراقبون أن إسبانيا، بقرارها إغلاق المجال الجوي، قد اختارت المضي قدماً في سياسة "الاستقلال الاستراتيجي" عن التوجهات الأمريكية، مفضلة الحفاظ على علاقاتها المتوازنة وحماية قانونها الوطني من الانزلاق في صراعات إقليمية دموية.
إن التهديدات الاقتصادية الأمريكية لم تثنِ مدريد عن موقفها، بل زادت من صلابة الخطاب الرسمي الإسباني الذي يرى في التدخلات العسكرية الحالية تهديداً للأمن والسلم الدوليين وتعدياً صارخاً على سيادة الدول بعيداً عن أروقة الأمم المتحدة.
من الناحية العسكرية، يمثل إغلاق المجال الجوي الإسباني ضربة موجعة للخطوط اللوجستية الأمريكية، فالتحليق حول إسبانيا يعني زيادة في ساعات الطيران واستهلاكاً أكبر للوقود، فضلاً عن الحاجة إلى عمليات تزويد بالوقود في الجو وتنسيق مع دول أخرى قد تتبع خطى مدريد في المستقبل.
إن هذا القرار يقلل من عنصر المفاجأة ويزيد من كلفة العمليات العسكرية الأمريكية، ويضع ضغوطاً إضافية على القادة العسكريين في البنتاغون لإيجاد مسارات بديلة أكثر تعقيداً؛ كما أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام نقاش واسع داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو حول مدى إلزامية المشاركة في حروب "القرار الواحد"، وتبرز إسبانيا كقائدة لتيار أوروبي يرفض التبعية العمياء للسياسات الأمريكية المتشددة في الشرق الأوسط، مما قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على اتخاذ مواقف مشابهة للحفاظ على استقرار القارة ومصالحها بعيداً عن ألسنة اللهب المشتعلة في الإقليم.










