اختفت السكينة التي كانت تميز حياة سكان تجمع حمروش شمال شرق بلدة سعير بالخليل، بعد أن تحولت مروجهم الخضراء إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع التوسع الاستيطاني. فقد بات نحو 25 أسرة من عائلة الطروة عرضة لهجمات متكررة من قبل المستوطنين، مدعومة بشكل مباشر من جيش الاحتلال وقوات الاحتياط، مما جعل كل يوم تجربة جديدة من الرعب والتهديد. ويشير السكان إلى أن تدخل القوات النظامية لا يقتصر على مراقبة الوضع، بل يمتد لتعقبهم وتنكيلهم عند أي محاولة للدفاع عن أراضيهم.
توزع حياة السكان بين تربية الماشية والزراعة، حيث تعد مزارع الزيتون واللوزيات مصدر رزقهم الأساسي، إلا أن هذه الموارد باتت مهددة بالاقتلاع والتدمير المستمر. ويؤكد أهالي التجمع أنهم يعيشون في ما يشبه السجن الكبير داخل أراضيهم، فالوصول إلى المراعي أصبح محفوفاً بالمخاطر بسبب اعتداءات المستوطنين المستمرة. ومع ذلك، يصر السكان على البقاء في بيوتهم، معتبرين أن الرحيل يعني التخلي عن الأرض لقمة سائغة للمستوطنين.
رصدت السلطات الفلسطينية تصاعداً غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين منذ السابع من أكتوبر 2023، ما أدى إلى تهجير 79 تجمعاً بدوياً فلسطينياً بشكل كلي أو جزئي، وتشريد أكثر من 4700 مواطن في مختلف مناطق الضفة الغربية. وتشير التقارير إلى أن الاحتلال يسيطر فعلياً على نحو 42% من مساحة الضفة الغربية من خلال المستوطنات ومناطق نفوذها، مع خطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، في حين تستمر عمليات الهدم للمنشآت الفلسطينية، حيث طال الهدم 1400 منشأة، ما يعكس المنظومة الأمنية الداعمة للمستوطنين.
برنامج الصمود
ويؤكد أهالي حمروش أن الصمود هو الخيار الوحيد المتاح لمواجهة التهديدات المستمرة، حيث تم تنظيم برنامج صمود شعبي يتضمن نوبات حراسة ليلية وحماية جماعية للأراضي والمنازل. يقول نبيل الطروة، أحد سكان التجمع، إن الحرية التي كانوا يتمتعون بها قبل ظهور البؤرة الاستيطانية قد تلاشت، والآن أصبحوا مضطرين للتنقل جماعياً خوفاً من الاستهداف الفردي. كما تشير الروايات المحلية إلى أن المستوطنين يشنون هجمات منظمة خاصة أيام الجمعة وأوقات العبادة، ما دفع السكان إلى وضع ترتيبات خاصة للحماية، بما في ذلك تنظيم خيام حراسة والتناوب الليلي على مراقبة التجمع.
توضح المقاطع المصورة التي يوثقها السكان استخدام المستوطنين والعناصر الأمنية للقوة بشكل متكرر، في حين لم تُسفر أي شكاوى رسمية ضدهم عن اعتقالات أو مساءلة، مما يعكس شراكة جيش وشرطة الاحتلال في حماية المستوطنين. ويؤكد المسن محمد الطروة أن حياة الرعي باتت محدودة للغاية، وأنه لم يتجاوز حدود مساكنه منذ تسعة أشهر، مضيفاً أن الاعتداءات تتعمد استهداف الرجال أثناء الصلاة، ما يشكل ضغطاً نفسياً مستمراً.
رغم الخطر المستمر، يتمسك الشباب بمسؤولياتهم في حماية التجمع، ويعتبرون البقاء في حمروش رسالة قوية ضد محاولات التهجير القسري. كما يرى نصر الطروة أن التجمع كان وجهة سياحية للقرى المجاورة، إلا أن الوضع الأمني تحوّل المنطقة إلى ثكنة عسكرية، مؤكداً أن الاستسلام للتهديدات يعني فقدان الأرض والهوية، وهو ما يرفضه أهالي التجمع جملة وتفصيلاً.
التوسع الاستيطاني
تشير البيانات الرسمية إلى أن الضفة الغربية تضم 542 مستوطنة وبؤرة استيطانية يقطنها نحو 780 ألف مستوطن، مع استمرار إقامة بؤر جديدة، منها 25 خلال عام 2025 وحده. وتؤكد التقارير أن الاحتلال يواصل تنفيذ مخططات هيكلية لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية، في وقت تستمر فيه آليات الاحتلال بهدم المنشآت الفلسطينية، وهو ما يعكس استراتيجية منهجية لتهجير السكان الأصليين وتغيير التركيبة الديمغرافية للمنطقة.
تؤدي هذه السياسات إلى تكثيف الضغوط على التجمعات الفلسطينية الصغيرة، مثل حمروش، وتحويلها إلى مناطق محاصرة، في حين تظل الحقوق القانونية غير مفعّلة نتيجة التواطؤ الرسمي مع المستوطنين. ورغم ذلك، يصر السكان على مواجهة التوسع الاستيطاني من خلال التوثيق، والصمود اليومي، وتنظيم الحراسة الليلية، وهو ما يجعل حمروش نموذجاً حياً للمقاومة الفلسطينية المستمرة.
تؤكد معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن الجرائم الاستيطانية أسفرت عن تهجير آلاف الفلسطينيين وتدمير البنى التحتية، في حين يواصل أهالي التجمعات مثل حمروش الدفاع عن الأرض والممتلكات. ويبرز التجمع اليوم كرمز للصمود والعزيمة، حيث يمثل كل يوم صمود فيه رسالة واضحة بأن الفلسطينيين لن يتخلوا عن أرضهم، مهما بلغت صعوبة الظروف وتكثفت التهديدات الأمنية.
هجوم استيطاني جديد في منطقة حمروش ببلدة سعير شمال شرقي الخليل.. التفاصيل مع مراسل #الجزيرة محمد الأطرش pic.twitter.com/afDTo21bqJ
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) February 5, 2026
الضغط النفسي على أهالي حمروش
يعيش أهالي حمروش حالة من القلق الدائم والخوف المستمر من الهجمات المباغتة، ما انعكس على حياتهم اليومية وحتى أحلامهم. يوضح السكان أن الهدف من هذه المضايقات هو كسر إرادتهم وفرض الرحيل الطوعي، إلا أن التصميم على البقاء يظل أقوى من كل محاولات الترهيب. ويضيف المسن محمد الطروة أن الخوف أصبح رفيقهم الدائم، ما يجعل صمودهم في مواجهة التوسع الاستيطاني أكثر تأثيراً من أي مقاومة سابقة.
يعكس البرنامج الشعبي للصمود استجابة واعية للتهديدات النفسية والجسدية، حيث تنظم نوبات الحراسة والتناوب الليلي للحماية الجماعية، مع مراقبة كل تحركات المستوطنين وتوثيقها. ويؤكد الشباب أنهم مستمرون في الدفاع عن التجمع، ورفض الرحيل، ما يجعل حمروش مثالاً يحتذى به في الصمود الفلسطيني أمام التحديات اليومية والتهديدات المستقبلية.








