تشهد الحدود الشمالية مع لبنان تصعيدًا متزايدًا في وتيرة العمليات العسكرية التي ينفذها حزب الله، في ظل توتر إقليمي متصاعد منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. وتتنوع هذه العمليات بين استهداف مواقع عسكرية، وقصف متبادل، ما يعكس تحولًا تدريجيًا من الاشتباكات المحدودة إلى مواجهات أكثر تعقيدًا.
ويأتي هذا التصعيد في سياق ما يصفه حزب الله بـ"دعم جبهة غزة"، حيث يسعى إلى استنزاف قدرات الاحتلال على أكثر من محور، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع، وسط مجازر مستمرة ودعم أمريكي مباشر، وفق تقارير إعلامية دولية.
حزب الله يغير قواعد الاشتباك
منذ نهاية حرب لبنان 2006، سادت حالة من الردع المتبادل بين الطرفين، عُرفت بما يسمى "قواعد الاشتباك"، والتي حدّت من الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى تآكل هذه القواعد، مع تزايد الجرأة في استهداف العمق، واتساع نطاق العمليات.
ويرى محللون أن الطرفين يختبران حدود هذه القواعد دون الرغبة في كسرها بالكامل، في محاولة لتحقيق مكاسب تكتيكية دون دفع ثمن استراتيجي كبير، وهو ما يفسر الطبيعة المحسوبة للضربات حتى الآن.
رسائل متبادلة
يحمل التصعيد الحالي رسائل سياسية وعسكرية متعددة، إذ يسعى حزب الله إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تربط بين جبهتي الجنوب اللبناني وقطاع غزة، في حين يحاول الاحتلال فرض خطوط حمراء تمنع توسع المواجهة.
وبحسب تقارير صادرة عن مجلس الأمن الدولي، فإن الوضع على الحدود بات "هشًا للغاية"، مع تزايد المخاوف من خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انفجار واسع النطاق، خاصة في ظل غياب قنوات سياسية فعالة لاحتواء التوتر.
حسابات معقدة
تتحكم في هذا المشهد حسابات إقليمية ودولية معقدة، حيث تلعب أمريكا دورًا رئيسيًا في دعم الاحتلال عسكريًا وسياسيًا، ما يمنحه هامشًا أوسع للتحرك، لكنه في الوقت ذاته يضع قيودًا على أي تصعيد قد يهدد الاستقرار الإقليمي الأوسع.
في المقابل، يدرك الحزب أن أي حرب شاملة ستترتب عليها كلفة بشرية ومادية كبيرة على لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية حادة، ما يجعل خيار التصعيد الشامل محفوفًا بالمخاطر، رغم استمرار الضغط العسكري.
سيناريوهات مفتوحة
تتراوح السيناريوهات المحتملة بين استمرار التصعيد المنضبط، حيث تبقى العمليات ضمن سقف محسوب، وبين الانزلاق إلى مواجهة أوسع في حال تجاوز أحد الأطراف الخطوط غير المعلنة. ويظل العامل الأكثر خطورة هو غياب التوازن الدقيق، أو حدوث ضربة نوعية تؤدي إلى رد غير متوقع.
ويرى مراقبون أن استمرار المجازر في غزة منذ أكتوبر 2023، بدعم أمريكي مباشر، يزيد من احتمالات توسع المواجهة، إذ يربط حزب الله بشكل متزايد بين مسار العمليات في الجنوب اللبناني وتطورات الميدان الفلسطيني.
ملامح مرحلة جديدة
تشير المعطيات الحالية إلى أن قواعد الاشتباك لم تعد ثابتة كما كانت في السابق، بل أصبحت أكثر مرونة وقابلية للتغيير وفق تطورات الميدان. وهذا التحول يعكس انتقال الصراع من حالة الردع المستقر إلى مرحلة "الردع المتحرك"، حيث تُعاد صياغة القواعد بشكل مستمر.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى الشمال ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين تصعيد محسوب يهدف إلى الضغط السياسي والعسكري، وبين انفجار واسع قد يعيد تشكيل المشهد الإقليمي بأكمله، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع الأجندات الدولية بشكل غير مسبوق.










