دخلت الساحة العراقية منعطفاً أمنياً هو الأخطر منذ سنوات، حيث لم تعد جبهة العراق مجرد "ساحة إسناد" ثانوية، بل تحولت إلى مركز ثقل استراتيجي يشهد استهدافات متبادلة وتوسعاً ملحوظاً في رقعة الاشتباك المباشر.
توسع رقعة الاشتباك.. الجغرافيا السياسية للنار
لم يعد الاشتباك في العراق محصوراً في نقاط تماس جغرافية محددة، بل شهد عام 2026 توسعاً أفقياً وعمودياً في خارطة الأهداف، حيث سجلت الأسابيع الأخيرة استخداماً مكثفاً للطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية قصيرة المدى التي استهدفت قواعد عسكرية في الأنبار وأربيل، والردود العسكرية المقابلة التي طالت مراكز قيادة وسيطرة في بابل وصلاح الدين.
هذا التوسع يعكس رغبة الأطراف المتصارعة في فرض "معادلة ردع" جديدة، حيث يتم الرد على أي استهداف إقليمي بضربات داخل الجغرافيا العراقية، مما حول البلاد إلى "صندوق بريد" دامٍ للرسائل السياسية والعسكرية بين العواصم الكبرى.
إن جغرافية النار الحالية لا تفرق بين القواعد الأجنبية والمرافق الوطنية، مما يهدد بانهيار المنظومة الأمنية التي حاولت بغداد بناءها بعيداً عن صراعات المحاور.
تكتيكات "الخوارزميات والدرونز" في الساحة العراقية
أثبتت التطورات الأخيرة في جبهة العراق أن التكنولوجيا العسكرية الرخيصة والذكية أصبحت هي المحرك الأساسي للاستهدافات المتبادلة، حيث تعتمد الفصائل المسلحة على "خوارزميات توجيه" متطورة تسمح للمسيرات بتجاوز الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي التقليدية.
وفي المقابل، تستخدم القوى الدولية تقنيات "الخرق السيبراني" والتشويش الإلكتروني لشل حركة هذه الأسراب قبل وصولها لأهدافها، هذا الصراع التقني جعل من سماء العراق مختبراً مفتوحاً لأسلحة "الإنتاج الكمي" التي ترهق ميزانيات الدفاع وتفرض ضغطاً مستمراً على مراكز القرار.
إن الاعتماد على "الكم" في الهجمات المسيرة يهدف إلى إحداث "إشباع" في منظومات الردع، مما يفتح ثغرات أمنية يتم استغلالها لتنفيذ ضربات دقيقة قادرة على تغيير موازين القوى الميدانية في لحظات خاطفة.
السيادة العراقية بين مطرقة السلاح وسندان الدبلوماسية
تواجه الدولة العراقية معضلة سيادية حادة، حيث تجد نفسها عاجزة عن ضبط السلاح المنفلت الذي يقرر توقيت ومكان الاشتباك، وفي الوقت ذاته تعاني من انتهاكات خارجية متكررة لسيادتها بذريعة "الدفاع عن النفس"، إن الاستهدافات المتبادلة جعلت من القرار السيادي العراقي رهينة لأجندات لا تراعي المصلحة الوطنية العليا.
وقد أدت هذه الفوضى المسلحة إلى تراجع الثقة الدولية في قدرة بغداد على حماية البعثات الدبلوماسية والاستثمارات الأجنبية، مما يهدد بخنق الاقتصاد العراقي الذي بدأ يتعافى بصعوبة، وبينما تحاول الدبلوماسية العراقية التحرك في العواصم الإقليمية لنزع فتيل الأزمة، تسبقها التطورات الميدانية بضربات صاروخية تعيد الأمور إلى المربع الأول، مما يعزز القناعة بأن استقرار العراق مرتبط عضوياً بتهدئة إقليمية شاملة تبدو بعيدة المنال في الوقت الراهن.
هل ينفجر الصراع الشامل؟
إن استمرار وتيرة التصعيد في جبهة العراق يضعنا أمام سيناريوهات قاتمة لمنتصف عام 2026، حيث يبرز سيناريو "الحرب بالوكالة" كأكثر الاحتمالات ترجيحاً، ما لم يتم التوصل إلى تفاهمات تحت الطاولة تضمن تحييد الساحة العراقية، إن توسع رقعة الاشتباك قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار التهدئة الهشة بين الحكومة والفصائل، مما قد يشعل صراعاً داخلياً مسلحاً يضاف إلى الصراعات الخارجية، ومن جهة أخرى، فإن أي استهداف خاطئ لمنشأة حيوية أو سفارة كبرى قد يكون الصاعقة التي تفجر حرباً إقليمية كبرى يكون العراق هو ساحتها الرئيسية.










