يشير تقرير الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن ما يشهده قطاع غزة اليوم في ظل الحصار المشدد لا يمكن قراءته فقط باعتباره تضييقاً اقتصادياً تقليدياً، بل هو استهداف مباشر وممنهج لقدرة المجتمع الغزي على الاستمرار والبقاء، فحين تمنع السلطات الإسرائيلية إدخال قطع الغيار الأساسية، والزيوت الصناعية، وإطارات المركبات، فإن الهدف الحقيقي يتجاوز مجرد الضغط المالي ليصل إلى "تعطيل الحياة اليومية من جذورها".
ويرى أحمد أبو قمر أن هذه السياسة تضرب البنية التحتية المدنية والخدمية بصمت مطبق لكن بفعالية قاسية جداً، حيث تعتمد المركبات التي تنقل المياه، والشاحنات التي تحرك البضائع الأساسية، والمولدات الكهربائية التي تبقي المستشفيات والمرافق الحيوية قيد العمل، على عناصر قد تبدو في الظاهر "ثانوية"، لكنها في الواقع تمثل الشرايين الأساسية لعملية التشغيل اليومي في القطاع المنهك.
ضرب البنية التحتية الخدمية وتفكيك شبكات الإمداد
تتجلى خطورة الأزمة الحالية في كونها تتجاوز مجرد نقص السلع الاستهلاكية لتصل إلى شل القدرة الميكانيكية والتقنية للمجتمع، ويوضح الباحث أحمد أبو قمر أن المسألة أعمق بكثير من أزمة سوق عابرة أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار؛ فنحن أمام سياسة تهدف إلى تفكيك قدرة الناس على تقديم وتلقي الخدمات الأساسية، فعلى سبيل المثال، حين تتعطل شاحنة مياه بسبب عدم توفر قطعة غيار بسيطة أو زيت محرك، فإن الأثر لا يتوقف عند انقطاع دخل السائق أو صاحب المركبة فقط، بل يمتد ليتسبب في معاناة مئات العائلات التي تعتمد بشكل كامل على هذه الخدمة للحصول على مياه الشرب، هذا الترابط العضوي بين "القطعة المفقودة" وبين "الحق الإنساني" هو الجوهر الخفي لسلاح التعطيل الذي يمارس ضد غزة في عام 2026.
اقتصاد الندرة القسري وقفزات الأسعار الخيالية
في قراءة تحليلية للأرقام الصادمة التي أوردها أحمد أبو قمر، نجد أننا لا نتحدث عن تضخم اقتصادي بالمعنى التقليدي، بل عن "اقتصاد ندرة مفروض بالقوة" يهدف إلى تجويع الماكينة الإنتاجية والخدمية في غزة، فحين يرتفع سعر لتر الزيت الصناعي من 15 شيكلاً إلى أكثر من 700 شيكل، فهذا يعني أن تكلفة التشغيل زادت بنسبة تتجاوز الـ 4500%، مما يجعل الاستمرار في العمل ضرباً من المستحيل لأصحاب المولدات والورش هذا الارتفاع الجنوني لا يعكس فقط نقص المعروض، بل يعكس حجم الضغط الممارس لمنع وصول أي مستلزمات تشغيلية، مما يؤدي في النهاية إلى توقف الورش والمصانع الصغيرة التي كانت تمثل الملاذ الأخير للعمالة في غزة، ويعمق من حالة الشلل الاقتصادي الشامل.
تعميق الهشاشة الإنسانية واستهداف القطاعات الحيوية
ولعل الجانب الأكثر خطورة في هذه الأزمة، كما يشير أحمد أبو قمر، هو امتدادها الممنهج لتطال القطاع الصحي والخدمي وكل ما تبقى من قدرة الناس على الحركة، فالمستشفيات التي تعتمد على المولدات في ظل انقطاع التيار الكهربائي تجد نفسها اليوم مهددة بالتوقف التام نتيجة نقص الزيوت وقطع الغيار اللازمة لصيانة تلك المولدات، والنتيجة الحتمية لهذه السياسة ليست مجرد تراجع في المؤشرات الاقتصادية، بل هي تعميق منظم للهشاشة الإنسانية، حيث يجد الغزي نفسه محاصراً في تفاصيل حياته البسيطة، عاجزاً عن إصلاح وسيلة نقله أو توفير الطاقة لمنزله، مما يحول القطاع إلى سجن تقني كبير تضيع فيه أبسط مقومات العيش الكريم تحت وطأة "سلاح التعطيل".
استراتيجية شل الحركة والعمل في غزة 2026
إن ما يجري اليوم هو بمثابة إعلان حرب صامتة على الحركة والعمل داخل قطاع غزة، حيث يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن النتيجة النهائية لهذه الإجراءات هي شل قدرة المجتمع على الإنتاج وتوفير البدائل المحلية، فكلما تعطلت آلة في مصنع صغير أو ورشة إنتاجية بسبب غياب المستلزمات البسيطة، يفقد القطاع جزءاً من أمنه الاقتصادي، إن هذه السياسة تهدف في جوهرها إلى جعل غزة مجتمعاً معطلاً بالكامل، يعتمد بشكل كلي على ما يسمح الاحتلال بإدخاله من مساعدات محدودة، مما يقتل روح المبادرة والعمل الحر، ويجعل من البقاء على قيد الحياة عملية ميكانيكية معقدة تتطلب معجزات يومية لتجاوز نقص "إطار مركبة" أو "لتر زيت".










