حذرت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني، في بيان شديد اللهجة صدر اليوم الأربعاء، من التداعيات الخطيرة والآثار الكارثية للارتفاع المتواصل في أسعار الوقود داخل السوق المحلي، مؤكدة أن هذه الزيادات المتلاحقة تفرض ضغوطًا متصاعدة وغير مسبوقة على سكان الضفة الغربية المحتلة.
وأعربت الجمعية عن قلقها البالغ من انعكاس هذه الارتفاعات سلبًا على مجمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، حيث يلمس المواطن أثرها المباشر في زيادة الأعباء اليومية وارتفاع أسعار السلع الأساسية المرتبطة بعمليات النقل والإنتاج.
وأشارت الجمعية إلى أن استمرار هذا النهج في ظل تراجع القدرة الشرائية وتفاقم الأزمة المالية العامة سيؤدي إلى حافة الانهيار لآلاف الأسر الفلسطينية التي لم تعد قادرة على موازنة احتياجاتها الأساسية مع الدخل المحدود أو الرواتب المنقوصة التي يتم صرفها بشكل غير منتظم منذ سنوات طويلة.
أرقام صادمة ونسب غير مسبوقة
أثار إعلان الهيئة العامة للبترول الفلسطينية عن أسعار المحروقات والغاز لشهر نيسان/أبريل 2026 موجة غضب عارمة في الشارع الفلسطيني، بعد أن كشفت المعطيات الرسمية عن قفزات سعرية وصفها المواطنون بالصادمة.
ووفقًا للتسعيرة الجديدة، وصل سعر لتر البنزين (95) إلى 7.90 شيكل، بينما قفز البنزين (98) إلى 8.86 شيكل، وسجل السولار والكاز 8.40 شيكل للتر الواحد. وتكمن الصدمة الحقيقية في نسب الارتفاع، حيث ارتفع سعر السولار بنسبة هائلة
بلغت 40.9% خلال الشهر الحالي فقط، وبنسبة تراكمية وصلت إلى 47.6% خلال شهرين. أما الغاز المسال، فقد سُعّرت الأسطوانة (12 كغم) عند 95 شيكلًا، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 26.6% خلال نيسان الحالي، وهي نسب تعكس حجم الفجوة الكبيرة بين تكلفة الطاقة وبين مستويات الدخل المتردية للمواطن الفلسطيني الذي يعاني أصلاً من تضخم عالمي ومحلي متسارع.
العبء الضريبي ومعضلة "البلو"
أوضحت جمعية حماية المستهلك في بيانها نقطة جوهرية تتعلق بهيكلية التسعير، حيث كشفت أن الضرائب المفروضة على الوقود، وعلى رأسها ضريبة "البلو"، تشكّل أكثر من نصف السعر النهائي للتر الواحد الذي يدفعه المستهلك عند محطات الوقود، هذا العبء الضريبي المباشر لا يثقل كاهل الأفراد فحسب، بل يمتد تأثيره التدميري إلى القطاعات الحيوية المحركة للاقتصاد، مثل قطاع النقل العام والشحن، والإنتاج الزراعي والصناعي الذي يعتمد بشكل أساسي على السولار. وأضافت الجمعية أن الاعتماد على مصدر واحد لاستيراد الوقود، مع استمرار فرض رسوم عالية، يزيد من مخاطر تقلب الأسعار العالمية وينعكس فوراً وبشكل حاد على المواطن، خاصة في ظل شح السيولة النقدية في الأسواق الفلسطينية، مما يجعل إدارة ميزانية الأسرة الفلسطينية، لا سيما لدى الفئات المهمشة والفقيرة، أمراً بالغ الصعوبة وشبه مستحيل في بعض الأحيان.
مطالبات بإجراءات حكومية عاجلة
أمام هذا الواقع المتأزم، طالبت الجمعية الحكومة الفلسطينية بضرورة التدخل الفوري واتخاذ إجراءات عملية للتخفيف من حدة هذه الأزمة المعيشية. ومن أبرز هذه المطالب، خفض ضريبة "البلو" على المحروقات بشكل فوري وملموس لخفض السعر النهائي للمستهلك، وإعفاء القطاعات الإنتاجية والزراعية من جزء من هذه الضرائب لدعم صمود المنتج الوطني وتخفيض تكاليف السلة الغذائية للمواطنين.
كما دعت الجمعية إلى ضرورة تبني سياسات وطنية جادة لدعم الطاقة البديلة والمتجددة، لتقليل الارتهان الكلي للوقود المستورد والتحكم في تكاليف الطاقة مستقبلاً. وشددت على أهمية تعزيز الشفافية من خلال نشر مكونات تسعير الوقود للرأي العام بوضوح، ليفهم المواطن أين تذهب أمواله وما هي الحصة الضريبية التي تجنيها الخزينة العامة من كل لتر وقود يتم استهلاكه.
مسؤولية الحكومة وأزمة الرواتب
تأتي هذه الزيادات في توقيت هو الأسوأ على الإطلاق بالنسبة للمواطن الفلسطيني، حيث تتزامن مع أزمة مالية خانقة أدت إلى عدم انتظام صرف رواتب الموظفين العموميين، والتي تُصرف أصلاً بنسب منقوصة تتراوح بين 70% إلى 80% في أحسن الأحوال منذ سنوات.
وحملت جمعية حماية المستهلك الحكومة المسؤولية الكاملة عن أي تدهور إضافي في مستوى المعيشة أو حدوث حالات احتكار واستغلال في الأسواق نتيجة غلاء الوقود.
وأكدت أن الوقود ليس مجرد سلعة كمالية، بل هو عصب الحياة الاقتصادية اليومية ومحرك أساسي لأسعار كافة السلع والخدمات. وحذرت الجمعية في ختام بيانها من أن استمرار تجاهل المطالب الشعبية والمهنية بخفض الأسعار قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي وعدم استقرار المنظومة الشرائية بالكامل، مما يهدد السلم الأهلي والاستقرار الاقتصادي في كافة محافظات الوطن.
رؤية مستقبلية للطاقة والأسواق
إن معالجة أزمة الوقود في فلسطين تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة أو "المسكنات" الاقتصادية. فالارتباط الوثيق ببروتوكول باريس الاقتصادي يفرض قيوداً كبيرة، إلا أن المساحة المتاحة للحكومة في تخفيض الضرائب المحلية أو دعم قطاعات معينة لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية.
ويرى مراقبون أن تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع استغلال الارتفاع الرسمي في الوقود لرفع أسعار سلع أخرى بشكل مبالغ فيه هو الخط الدفاعي الأول عن المستهلك حالياً.
وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة الملحة لتشجيع الاستثمار في محطات الطاقة الشمسية للمصانع والمزارع لتقليل الاعتماد على السولار، وهو ما قد يخفف من الطلب الكلي ويحمي الاقتصاد الوطني من التقلبات الحادة في أسعار المحروقات التي يبدو أنها ستستمر في الاتجاه التصاعدي خلال الفترة القادمة من عام 2026.










