لم تكن منطقة السطر الشرقي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، عصر اليوم الخميس، سوى مسرح لانتهاك إنساني جديد، حيث أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على ارتكاب جريمة يندى لها الجبين باستهداف شاب فلسطيني من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وأعلنت المصادر الطبية في مشافي الجنوب عن استشهاد الشاب محمد موسى رزق الفرا، الذي لم تشفع له حالته الصحية ولا معاناته الجسدية من رصاص الاحتلال الغادر الذي اخترق جسده النحيل وهو في منطقته السكنية.

الشاب محمد موسى رزق الفرا
هذه الجريمة تأتي لتعيد تسليط الضوء على النهج الممنهج الذي تتبعه قوات الاحتلال في استهداف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع الفلسطيني، ضاربة عرض الحائط بكافة القوانين الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان التي تفرض حماية خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة في مناطق النزاع والحروب، وهو ما يعكس حالة الاستهتار الكاملة بالروح البشرية وتصاعد وتيرة العنف الميداني الذي يمارسه الجنود على الأرض دون أدنى رقابة أو محاسبة دولية رادعة.
إصابات الشجاعية وتصاعد وتيرة العدوان
بالتوازي مع جريمة اغتيال الشاب الفرا في خان يونس، لم تسلم مدينة غزة هي الأخرى من آلة الحرب الإسرائيلية، حيث أصيب الشاب محمد نهاد أبو العطا البالغ من العمر 22 عاماً بجروح وصفت بالمتوسطة إثر تعرضه لشظية مباشرة في الصدر ناتجة عن قصف مدفعي استهدف منطقة مفترق الشجاعية شرق المدينة.
هذا التصعيد المدفعي في المناطق المكتظة بالسكان يثبت أن الاحتلال لا يزال يمارس سياسة "الأرض المحروقة" ويستهدف عصب الحياة في الأحياء السكنية التي يحاول المواطنون العودة إليها لترميم ما تبقى من منازلهم.
إن استهداف الشجاعية بالمدفعية يتزامن مع تحليق مكثف للطيران المسير، مما يجعل حياة المواطنين في خطر دائم ويحول دون استقرار الأوضاع الميدانية رغم الحديث المتكرر عن تفاهمات التهدئة، مما يضع الوسطاء الدوليين أمام مسؤولياتهم تجاه وقف هذه الخروقات المتكررة التي تطال المدنيين والشباب في مقتبل العمر.
حصيلة "ما بعد الاتفاق": نزيف لا ينقطع
رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر الماضي، إلا أن الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في غزة اليوم الخميس تعكس واقعاً مغايراً تماماً لما يتم الترويج له إعلامياً حول الهدوء.
فقد أكدت الوزارة أن 713 شهيداً قد ارتقوا منذ توقيع الاتفاق المذكور، بالإضافة إلى إصابة نحو 1,943 مواطناً بجروح متفاوتة، فضلاً عن انتشال 756 جثماناً لشهداء كانوا في عداد المفقودين تحت الأنقاض أو في المناطق التي انسحب منها الاحتلال مؤخراً.
هذه الإحصائيات المرعبة تشير بوضوح إلى أن آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف، بل ربما اتخذت أشكالاً أخرى من الاستهداف الميداني والقصف المحدود الذي يحصد الأرواح بشكل يومي، مما يفرغ اتفاقيات التهدئة من مضمونها الإنساني ويجعل المواطن الغزي يعيش في دوامة مستمرة من القلق والترقب، بانتظار وقف حقيقي وشامل للعدوان يحمي ما تبقى من دماء وأرواح.
الفاتورة الإنسانية الكبرى منذ تشرين الأول
عند النظر إلى الأرقام التراكمية التي أعلنتها وزارة الصحة منذ بداية العدوان الإسرائيلي الشامل في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023، نجد أننا أمام كارثة إنسانية هي الأكبر في العصر الحديث. فقد بلغ العدد التراكمي للشهداء 72,289 شهيداً، فيما وصل عدد الإصابات إلى رقم فلكي بلغ 172,043 مصاباً، وهي أرقام تعكس حجم الدمار الذي لحق بالبنية البشرية في قطاع غزة.
إن استشهاد الشاب محمد الفرا اليوم هو حلقة في سلسلة طويلة من الضحايا الذين لم يكونوا سوى أرقام في التقارير الدولية، لكنهم في الواقع قصص وحيوات دمرها الاحتلال بدم بارد.
هذه الأعداد الهائلة من الجرحى، والذين يعاني الآلاف منهم من إعاقات دائمة، تضع المنظومة الصحية المتهالكة في غزة أمام تحديات مستحيلة، في ظل نقص الدواء والوقود والمستلزمات الجراحية، مما يرفع من احتمالية زيادة عدد الشهداء نتيجة عدم توفر الرعاية الطبية اللازمة للمصابين في حالات حرجة.
صمت دولي وتداعيات ميدانية خطيرة
إن استمرار استهداف ذوي الاحتياجات الخاصة والمدنيين في مناطق يفترض أنها "أمنة" وفق التفاهمات الأخيرة، يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة في قفص الاتهام نتيجة الصمت المطبق حيال هذه الجرائم.
إن استشهاد محمد الفرا في خان يونس يجب ألا يمر كخبر عابر، بل يجب أن يكون شرارة لتحرك حقوقي يطالب بمحاكمة قادة الاحتلال على جرائم الحرب المرتكبة ضد الفئات الضعيفة.
ميدانياً، يرى مراقبون أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى انهيار كامل لاتفاق التهدئة، حيث لا يمكن للفصائل الفلسطينية أو للشارع الغزي تحمل المزيد من الخروقات التي تستهدف المواطنين العزل.
إن غياب الضمانات الدولية الحقيقية لوقف النار يجعل من قطاع غزة ساحة مفتوحة لتجارب الأسلحة الإسرائيلية ولرصاص القناصة الذي لا يفرق بين طفل وشاب ومسن أو شخص من ذوي الإعاقة، وهو ما ينذر بجولة جديدة من التصعيد الشامل إذا لم يتم لجم هذا التغول العسكري في القريب العاجل.










