4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

انهيار المنظومة الصحية في غزة: أرقام تكشف حجم الكارثة

دخلت الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مرحلة "اللاعودة" مع الانهيار الكامل والممنهج للمنظومة الصحية، التي كانت تمثل شريان الحياة الأخير لأكثر من مليوني إنسان.

بقلم: محمد خميس
٤ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
5 مشاهدة
انهيار المنظومة الصحية في غزة

انهيار المنظومة الصحية في غزة

دخلت الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مرحلة "اللاعودة" مع الانهيار الكامل والممنهج للمنظومة الصحية، التي كانت تمثل شريان الحياة الأخير لأكثر من مليوني إنسان. 

إن ما يشهده القطاع اليوم ليس مجرد نقص في الأدوية أو الوقود، بل هو تدمير شامل لبنية تحتية طبية استغرق بناؤها عقوداً، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الغالبية العظمى من المستشفيات والمراكز الصحية خرجت عن الخدمة تماماً نتيجة الاستهداف المباشر أو الحصار الخانق، هذا الانهيار لم يترك الجرحى فقط دون علاج، بل وضع آلاف المصابين بأمراض مزمنة، مثل السرطان والفشل الكلوي، في مواجهة الموت البطيء، مما يحول غزة إلى حقل تجارب قسري لصمود البشر في ظل انعدام أبسط الحقوق الصحية التي كفلتها القوانين الدولية التي تبدو اليوم عاجزة أمام حجم الأرقام المفزعة القادمة من غرف العمليات المدمرة.

وتتحدث الأرقام في غزة بصوت أعلى من الكلمات؛ فمن أصل 36 مستشفى كانت تعمل قبل اندلاع الموجة الأخيرة من الحرب، لم يتبقَ سوى 5 مستشفيات تعمل بشكل جزئي ومحدود جداً، وبقدرة استيعابية لا تتجاوز 10% من الاحتياج الفعلي. 

وتشير التقارير الميدانية إلى أن أكثر من 120 سيارة إسعاف تم تدميرها بالكامل، بينما استشهد واعتقل المئات من الكوادر الطبية المتخصصة، مما أدى إلى عجز هائل في الأطقم القادرة على التعامل مع الإصابات المعقدة هذا النقص الحاد في الكوادر والمعدات جعل من عملية المفاضلة بين الجرحى واقعاً يومياً مريراً للأطباء، حيث يُضطرون لاتخاذ قرارات قاسية حول من يحصل على فرصة للعلاج ومن يُترك لمصيره المحتوم، في ظل انعدام كامل للمستهلكات الطبية الأساسية مثل أدوات التخدير والمطهرات.

مرضى الأورام والفشل الكلوي: الموت الصامت بعيداً عن أزيز الرصاص

بعيداً عن جرحى القصف المباشر، يبرز ملف مرضى الأورام والفشل الكلوي كأحد أكثر فصول الكارثة الصحية مأساوية في غزة لعام 2026. 

إن توقف مستشفى "الصداقة التركي الفلسطيني" وغيره من مراكز علاج الأورام يعني حرمان أكثر من 10 آلاف مريض سرطان من جرعات الكيماوي والأشعة، مما يجعل الموت هو النتيجة الحتمية الوحيدة لهؤلاء المرضى. 

وبالمثل، يواجه نحو 1100 مريض بالفشل الكلوي خطراً داهماً مع توقف محطات تحلية المياه المخصصة لأجهزة الغسيل الكلوي ونقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات. هؤلاء الضحايا لا تظهر أسماؤهم دائماً في النشرات الإخبارية اليومية كقتلى قصف، لكنهم يسقطون كضحايا مباشرين للانهيار الصحي، وهو ما يرفع "كلفة الموت غير المباشر" في غزة إلى مستويات تفوق عدد الضحايا العسكريين بكثير.

الأوبئة والأمراض المعدية: قنبلة موقوتة تنفجر في خيام النازحين

مع انهيار شبكات الصرف الصحي وانعدام المياه الصالحة للشرب، تحولت مراكز النزوح المكتظة إلى بؤر لتفشي الأمراض المعدية التي لم يعرفها القطاع منذ عقود.

 تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل مئات الآلاف من حالات النزلات المعوية الحادة، والتهاب الكبد الوبائي (أ)، والأمراض الجلدية المعدية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

 إن غياب المنظومة الصحية القادرة على الرصد والعزل والعلاج يحول هذه الأمراض إلى "أوبئة عابرة للحدود"، تهدد المنطقة بأكملها وليس غزة فقط. الكارثة الحقيقية تكمن في أن الجروح البسيطة التي يمكن علاجها بمرهم حيوي أصبحت تتحول إلى حالات بتر للأطراف نتيجة التلوث البيئي وغياب التعقيم، مما يضيف آلاف المعاقين الجدد إلى قائمة ضحايا الحرب الطويلة.

 انهيار خدمات الأمومة والطفولة في قطاع غزة

تمتد آثار الانهيار الصحي لتطال مستقبل الجيل القادم في غزة، حيث يواجه نحو 50 ألف امرأة حامل ظروفاً لا إنسانية في ظل غياب الرعاية الصحية الأولية ومستشفيات الولادة.

 التقارير تشير إلى زيادة مخيفة في حالات الإجهاض والولادات المبكرة داخل الخيام، وغالباً ما تتم دون إشراف طبي أو تخدير، مما يرفع معدلات الوفاة بين الأمهات والمواليد الجدد كما أن توقف برامج التطعيمات الوطنية للأطفال يفتح الباب أمام عودة أمراض شلل الأطفال والحصبة، وهو ما يعني أن أطفال غزة الذين نجو من القصف قد لا ينجون من تبعات انهيار الجهاز المناعي والصحي للقطاع.

 إن إعادة بناء هذه المنظومة ستحتاج إلى سنوات من العمل الدولي الجاد، لكن الثمن البشري الذي يُدفع الآن لا يمكن تعويضه بأي حال من الأحوال.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال