كشف تقرير لصحيفة "هارتس" العبري عن مفارقة استراتيجية صارخة في المشهد الملاحي الإقليمي، حيث أشار التحليل إلى أنه على الرغم من أن أكثر من 80% من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قد وُجّهت تاريخياً نحو دول الخليج، إلا أن حركة الطيران في الدوحة ودبي لا تزال مستمرة بكفاءة عالية نحو باريس ونيويورك، بينما يجد الإسرائيليون أنفسهم محاصرين خلف بوابتهم الرئيسية التي أُغلقت تماماً.
وأوضح التقرير أن إيران تمكنت في الجولة الحالية، من الإغلاق الفعلي والمستمر لمطار بن غوريون، الذي كان يُعد رمزاً للصمود والقدرة الإسرائيلية على البقاء متصلة بالعالم الخارجي حتى في أصعب الظروف الأمنية، مما وضع الجبهة الداخلية في حالة من العزلة غير المسبوقة منذ عقود.
دلماذا ينجو الخليج وتغرق إسرائيل في العزلة؟
تُظهر المعطيات المستندة إلى تحليل موقع الشرق الأوسط في نهاية مارس، أن التهديدات الإيرانية الموجهة لدول الخليج كانت ضخمة كماً، حيث واجهت الإمارات وحدها نحو 2200 صاروخ ومسيّرة، مقابل نحو ألف تهديد وُجهت لإسرائيل.د ومع ذلك، يكمن الفارق الجوهري في "فلسفة الاستهداف"، إذ يركز الإيرانيون في الخليج على الأهداف العسكرية الأمريكية وغالباً ما يتجنبون المدنيين والمرافق الحيوية مثل المطارات التجارية، بينما يُعد مطار بن غوريون بالنسبة لهم هدفاً استراتيجياً ورمزياً مركزياً.
هذا التوجه الإيراني أثمر عن بقاء مطارات دبي وقطر مفتوحة بأسعار تنافسية، حيث تبلغ رحلة دبي-باريس نحو 900 دولار، بينما يضطر الإسرائيلي للتنافس على مقاعد محدودة جداً أو السفر براً نحو العقبة وطابا بحثاً عن منفذ جوي بديل.
مطار بن غوريون يتحول إلى ثكنة عسكرية أمريكية-إسرائيلية
في تصريح لرئيس سلطة المطارات السابق رون تال، أكد أن مطار بن غوريون لم يعد يعمل كمرفق مدني بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى مطار عسكري مشترك، حيث أن نحو 80% من النشاط الحالي هو نشاط عسكري بحت.
وأوضح تال أن طائرات التزوّد بالوقود الأمريكية باتت تشغل الأماكن التي كانت مخصصة للطائرات المدنية، مما قلص المساحة المتاحة للملاحة التجارية.
هذا التحول العسكري تزامن مع ضغوط هائلة من الأجهزة الأمنية لتقليص الرحلات المدنية إلى حدها الأدنى، خوفاً من "السيناريو الكابوس" المتمثل في سقوط صاروخ عنقودي إيراني على طائرة ركاب مليئة بالوقود أثناء تواجدها لفترة طويلة على المدرج قبل الإقلاع، وهو ما قد يؤدي إلى كارثة بشرية واقتصادية تفوق قدرة الدولة على الاحتمال.
القنابل العنقودية: التهديد الذي أجبر شركات الطيران على الفرار
تُعد الصواريخ العنقودية الإيرانية السبب الرئيسي وراء شلل الحركة في بن غوريون، حيث أن اعتراض هذه الصواريخ لا يزيل الخطر بالكامل بسبب القنابل الصغيرة التي تنشرها، والتي تسببت بالفعل في اشتعال ثلاث طائرات خاصة كانت متوقفة في المطار وبناءً على هذه المخاطر، فرضت وزارة المواصلات قيوداً مشددة تسمح برحلتين فقط في الساعة وبعدد ركاب محدود جداً لا يتجاوز 70 راكباً لكل رحلة.
هذا الوضع دفع شركات الطيران العالمية إلى تمديد إلغاء رحلاتها لفترات طويلة، حيث أعلنت "دلتا" و"يونايتد" تعليق رحلاتهما حتى سبتمبر 2026، بينما توقفت شركات مثل "إيزي جيت" عن تحديد أي موعد لاستئناف نشاطها، مما كبد شركة "إل عال" الوطنية خسائر تشغيلية يومية قُدرت بـ 4 ملايين دولار.
لم يتوقف الضرر عند حركة المسافرين فحسب، بل امتد ليشمل قطاع الشحن الجوي الذي يُعد شريان التجارة الإسرائيلية، ورغم استمرار شركة "تشالينج إيرلاينز" في العمل، إلا أنها تواجه قيوداً أمنية تمنع تواجد أكثر من طائرة واحدة على الأرض في اللحظة نفسها لتقليل المخاطر. هذا الحذر الأمني أدى إلى قفزة هائلة في تكاليف التأمين، حيث ارتفعت بعشرات آلاف الدولارات لكل رحلة، وزاد الطين بلة قرار وزارة المواصلات منح شركات شحن أمريكية امتيازات "الحرية السابعة"، مما ألحق ضرراً فادحاً بالشركات المحلية، ويبدو أن الإيرانيين حققوا إنجازاً معنوياً ومادياً كبيراً من خلال تحويل مطار بن غوريون إلى "رمز للفشل" الاستراتيجي الإسرائيلي في الحفاظ على السيادة الجوية المدنية خلال هذه المواجهة الفريدة من نوعها.








