في ظل الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي يمر بها قطاع غزة، تبرز تساؤلات ملحة حول المسارات السياسية والأمنية المتوقعة في المرحلة المقبلة.
وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، استعرض المحلل السياسي الفلسطيني مصطفى محمد أبو السعود ملامح الواقع المعقد الذي يعيشه القطاع حالياً، مؤكداً أن غزة لا تزال غارقة في مأساة ظن الكثيرون أنها ستنتهي بمجرد الحديث عن وقف إطلاق النار.
وأوضح أبو السعود أن الحالة الراهنة في القطاع ليست حالة حرب شاملة ولا حالة استقرار منشود، بل هي منطقة رمادية تصعب وتعقد المسألة الإنسانية والسياسية، إذ لا يوجد مجال حقيقي للبدء بخطوات عملية لإعادة الحياة إلى طبيعتها، مما يضع مستقبل غزة أمام سيناريوهات متباينة يكتنفها الغموض والتعقيد.
ثلاثة سيناريوهات واقعية ترسم ملامح المرحلة المقبلة
حلل الأستاذ مصطفى محمد أبو السعود المسار السياسي القادم واضعاً ثلاثة سيناريوهات محتملة؛ الأول هو إبقاء الحالة على ما هي عليه، حيث يبقى كل طرف بانتظار فرصة مواتية لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، أما السيناريو الثاني فيتمثل في تنازل أحد الطرفين للآخر، سعياً من كل طرف للظهور أمام المجتمع الدولي بمظهر الساعي الحقيقي لوقف نزيف الدماء، والسيناريو الثالث والأكثر قتامة هو عودة الحرب بهيئتها السابقة، بما يشمل اجتياحات برية واسعة وتدمير ما تبقى من البنية التحتية المتهالكة في القطاع.
ويرى أبو السعود أن السيناريو الأول هو الأقرب للتحقق في الوقت الراهن، كونه يسمح لإسرائيل بالظهور أمام الرأي العام العالمي، والشعبي تحديداً، بمظهر من أوقف الحرب وأنهى المجاعة، بينما تستمر في تنفيذ عمليات اغتيال مركزة واستنزاف للقطاع.
ارتباط جبهات الإقليم بتعطيل "خطة ترامب" ولجنة التكنوقراط
يربط المحلل السياسي أبو السعود بين هدوء الجبهة في غزة وبين انشغال الاحتلال بجبهات جديدة يراها أكثر تأثيراً وخطورة عليه، خاصة مع تصاعد التهديدات من صواريخ إيران، وعمليات حزب الله في لبنان، وجماعة أنصار الله في اليمن، هذا الانشغال الإقليمي أدى بالضرورة إلى تعطيل فرص إعادة إنعاش قطاع غزة وفق بنود "خطة ترامب"، والتي كان من المفترض بموجبها دخول "لجنة التكنوقراط" لمباشرة مهامها الإدارية. وأكد أبو السعود أن هذه اللجنة لم تتمكن من دخول غزة حتى الآن بسبب الرفض الإسرائيلي القاطع لها، مما يعيق أي محاولة لبناء جسم إداري قادر على إدارة شؤون السكان وتنسيق جهود الإغاثة والخدمات الأساسية في هذه المرحلة الحرجة.
كارثة عمرانية: 80% من غزة غير صالح للاستخدام الآدمي
عند الحديث عن ملف إعادة الإعمار، صدم أبو السعود الرأي العام بحقيقة أن أكثر من 80% من المؤسسات والمنازل والشوارع في غزة لم تعد صالحة للسكن أو الاستخدام، حيث تتأرجح حالة المباني ما بين الهدم الكلي والجزئي غير الصالح للسكن.
ويرى المحلل الفلسطيني أن أولويات المرحلة القادمة يجب أن تبدأ بإقامة مخيمات أكثر تنظيماً تعتمد على "البيوت المتنقلة" لمساعدة الناس على تجاوز مرحلة العشوائية السكنية والازدحام الخانق في مراكز النزوح وتأتي الخطوة التالية بضرورة البدء الفوري في إعادة بناء المدن الكبرى التي نال منها الدمار بشكل واسع، وتحديداً مدينتي رفح وخانيونس بالإضافة إلى محافظات شمال غزة، وهي عملية تتطلب إرادة دولية تفوق مجرد الوعود اللفظية.
فاتورة الـ 50 مليار دولار ودور "الأونروا" المحوري في الإعمار
يؤكد مصطفى محمد أبو السعود أن عملية إعادة إعمار قطاع غزة ليست بالمهمة اليسيرة، فهي تحتاج إلى تكاتف مؤسسات دولية ضخمة وميزانيات هائلة لا تقل عن 50 مليار دولار أمريكي.
واقترح أبو السعود أن وكالة الغوث "الأونروا" هي الجهة الأنسب لقيادة هذه المرحلة في حال أتيحت لها الفرصة، نظراً لامتلاكها خبرات وتجارب سابقة متراكمة في القطاع، بالإضافة إلى امتلاكها قاعدة بيانات شاملة وخرائط دقيقة للمدن الفلسطينية ويشترط هذا المقترح ضرورة التنسيق الوثيق مع أي جسم فلسطيني يتم التوافق عليه وطنياً، لضمان وصول الأموال والمواد لمستحقيها وقطع الطريق على محاولات تسييس ملف الإعمار أو استخدامه كأداة للضغط على السكان.
السيناريو الأسوأ: عودة الحرب بنمط الاستنزاف الدائم
في ختام رؤيته التحليلية، حذر أبو السعود من السيناريو الأسوأ الذي قد يواجهه القطاع سياسياً وأمنياً في حال فشل جهود التسوية؛ وهو أن تتوصل القوى الإقليمية (إيران، أمريكا، وإسرائيل) إلى اتفاقات تهدئة دون أن يشمل ذلك قطاع غزة هذا المسار يعني عودة الحرب بصيغة استنزافية تؤدي إلى إطالة أمد القلق وفقدان الأمل، مع تجاهل تام لتنفيذ أي خطط سياسية لإنعاش الحياة.
ويحذر أبو السعود من مسعى إسرائيلي لخلق "جيوب جغرافية انشقاقية" لتشديد الخناق على السكان ومنع أي كيان سياسي فلسطيني موحد "سواء السلطة الفلسطينية أو لجنة التكنوقراط" من القيام بدوره، مع ممارسة تضييق مالي خانق بذريعة منع وصول الأموال إلى حركة حماس، مما يهدد بتحويل غزة إلى سجن دائم يفتقر لأدنى مقومات الاستقرار والسيادة.









