21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

وهم الحسم العسكري: لماذا تعجز إسرائيل عن تفكيك حزب الله؟

الحملة العسكرية الحالية، بصيغتها القائمة، لا يمكن أن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، وهو ما يتناقض مع الأهداف المعلنة سياسيًا.

بقلم: أخبار ومتابعات
٦ أبريل ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
19 مشاهدة
حزب الله

حزب الله

يكشف تقرير تحليلي نشرته صحيفة هآرتس بقلم عاموس هرئيل عن فجوة لافتة بين الخطاب العسكري الإسرائيلي والواقع الميداني في لبنان. فبحسب ما أورده الكاتب، نقلًا عن ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي تحدث مع المراسلين العسكريين، فإن الحملة العسكرية الحالية، بصيغتها القائمة، لا يمكن أن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، وهو ما يتناقض مع الأهداف المعلنة سياسيًا.

هذا التصريح، الذي تكرر مضمونه في الأسابيع الأخيرة، يعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لحدود القوة العسكرية، خاصة في مواجهة تنظيم يمتلك خبرة طويلة في حرب العصابات وقدرة على التكيف مع الضربات. وفي أفضل السيناريوهات، يمكن للحملة أن تضعف البنية التحتية لحزب الله جنوب نهر الليطاني، لكنها لا تقترب من تحقيق هدف التفكيك الكامل.

حدود القوة الجوية لـ حزب الله


تشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن الضربات الجوية، رغم كثافتها، لن تكون كافية لإسقاط حزب الله أو شل قدراته بشكل نهائي. فاستهداف المقرات والمستودعات في بيروت ومنطقة البقاع، وفقًا لما نقله هرئيل، قد يحقق خسائر تكتيكية، لكنه لا يرقى إلى مستوى الانهيار الاستراتيجي.

هذه القراءة تكشف عن مأزق عسكري واضح، حيث تُستخدم أدوات تقليدية ضد خصم غير تقليدي، ما يجعل نتائج العمليات محدودة الأثر على المدى الطويل. كما أن اعتماد إسرائيل المفرط على سلاح الجو يعكس حذرًا من الانخراط البري الواسع، الذي قد يفتح الباب أمام خسائر أكبر وتعقيدات ميدانية يصعب السيطرة عليها. حزب الله

تناقض القيادة
في مقابل هذا التقييم العسكري الواقعي، يبرز خطاب سياسي مختلف تمامًا، تقوده حكومة بنيامين نتنياهو، التي تواصل الترويج لأهداف طموحة تصل إلى حد إعلان هزيمة ساحقة لـ حزب الله. وقد تفاخر نتنياهو، في نهاية مارس، بإنشاء مناطق أمنية في جنوب لبنان والجولان السوري وشرق قطاع غزة، في محاولة لتصوير المشهد كإنجاز استراتيجي.

كما يواصل وزير الدفاع إسرائيل كاتس إطلاق تهديدات واسعة النطاق، تمتد من الفرات إلى النيل، في خطاب يعكس نزعة تصعيدية أكثر منه قراءة واقعية لموازين القوى. هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقدير العسكري يخلق فجوة خطيرة في التوقعات، سواء داخل المؤسسة أو لدى الرأي العام.

ارتباك المؤسسة العسكرية
يقف رئيس الأركان إيال زامير في موقع معقد بين الطرفين، إذ يشارك ضباطه القناعة بعدم إمكانية الحسم السريع، لكنه مضطر في الوقت ذاته لمجاراة القيادة السياسية أو على الأقل عدم الاصطدام بها بشكل مباشر. وقد اضطر زامير، تحت ضغط إعلامي، إلى التأكيد أن نزع سلاح حزب الله هدف قائم، لكنه يحتاج إلى وقت طويل، ما يعني ضمنيًا أنه غير قابل للتحقيق في المرحلة الحالية.

هذا التوازن الحذر يعكس أزمة أعمق داخل منظومة اتخاذ القرار في إسرائيل، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات العسكرية، ما يؤدي إلى قرارات قد تكون مدفوعة بالخطاب أكثر من الواقع.

انتصار مؤقت
تسلط التجربة السابقة الضوء على هشاشة ما يُسمى "الانتصار" في هذه الحروب. فوفقًا للتقرير، فإن المواجهة التي جرت في خريف 2024 لم تُنهِ قدرات حزب الله، بل دفعته إلى إعادة تنظيم صفوفه وتعديل تكتيكاته. ورغم تراجع قدرته على إلحاق أضرار كبيرة كما في السابق، إلا أنه أصبح أكثر دقة في عملياته وأكثر وعيًا بنقاط ضعف الجيش الإسرائيلي.

هذا النمط يعكس طبيعة الصراعات غير المتكافئة، حيث لا يُقاس النجاح بالحسم الفوري، بل بقدرة كل طرف على الصمود وإعادة التكيف، وهو ما يبدو أن حزب الله نجح فيه حتى الآن.

أزمة ثقة داخلية
على الجبهة الداخلية، تتفاقم أزمة الثقة بين السكان في شمال إسرائيل والقيادة العسكرية والسياسية. فمع استمرار بقاء السكان في الملاجئ لأسابيع، تتزايد الفجوة بين توقعاتهم للأمن وبين ما يستطيع الجيش توفيره فعليًا.

وتشير المعطيات إلى أن كثيرين من السكان يرفضون العودة إلى المستوطنات القريبة من الحدود، خاصة في ظل التهديد المباشر للصواريخ المضادة للدروع. هذا الواقع يضعف من قدرة الحكومة على فرض روايتها حول "استعادة الأمن"، ويكشف عن كلفة داخلية متصاعدة للحرب.

نموذج غزة يتكرر
في الميدان، يتجه الجيش الإسرائيلي نحو تدمير منهجي للقرى في جنوب لبنان بعد تهجير سكانها، في مسار يذكّر بما جرى في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث استُخدمت ذريعة استهداف البنية التحتية لتبرير دمار واسع طال المناطق المدنية.

هذا النهج يثير تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية للحملة، خاصة في ظل تكرار نمط العمليات الذي أدى إلى مجازر واسعة في غزة، بدعم مباشر من أمريكا، بحسب تقارير دولية متعددة. ويعكس ذلك محاولة لفرض وقائع ميدانية بالقوة، بدلًا من التوصل إلى حلول سياسية مستدامة.

تشابك الجبهات
يبقى العامل الإيراني عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار الحرب. فوفقًا للتحليل، فإن أي قرار أمريكي بإنهاء الحرب مع إيران سيؤثر مباشرة على الوضع في لبنان، حيث سيجد حزب الله نفسه في مواجهة منفردة مع إسرائيل.

غير أن هذا السيناريو ليس محسومًا، إذ يعتمد إلى حد كبير على موقف أمريكا، وما إذا كانت ستدعم تسوية سياسية أو تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة التصعيد. وهنا يظهر الدور الحاسم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يوازن بين الخيار العسكري والدبلوماسي.

تصعيد خطير
في سياق متصل، لوّح ترامب بإمكانية توجيه ضربات قاسية للبنية التحتية للطاقة في إيران، في تصعيد غير مسبوق قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع. ورغم أن مثل هذه الضربات قد تُلحق أضرارًا كبيرة بإيران، إلا أنها تحمل مخاطر جسيمة على الاقتصاد العالمي واستقرار الخليج.

وتشير المعطيات إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، بما في ذلك منصات صواريخ فعالة، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة مكلفة لجميع الأطراف.

حسابات معقدة
في ظل هذا المشهد، تبدو كل الأطراف عالقة في معادلة معقدة: إسرائيل عاجزة عن تحقيق نصر حاسم، وإيران متمسكة بأوراق قوتها، وأمريكا مترددة بين التصعيد والاحتواء. وفي هذا السياق، قد يسعى ترامب في النهاية إلى إعلان "نصر سياسي" عبر اتفاق جزئي، حتى لو لم يلبِّ كل الأهداف المعلنة.

غير أن هذا السيناريو يثير قلقًا داخل إسرائيل، حيث تخشى قيادتها من أن تجد نفسها في مواجهة تداعيات طويلة الأمد دون دعم حاسم، وهو ما يعيد طرح السؤال الأساسي: هل كانت هذه الحرب قابلة للحسم أصلًا، أم أنها مجرد فصل جديد في صراع مفتوح بلا نهاية واضحة؟

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال