تحدث الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان، الأكاديمي والمحلل السياسي العراقي عن جذور الأزمات البنيوية التي تضرب مفاصل الدولة العراقية في عام 2026.
وأكد الدكتور الوزان في تصريحات خاصة لموقع 180 تحقيقات أن حقيقة الأزمات التي يواجهها العراق على المستوى السياسي تتلخص في "فقدان القرار والسيادة"، حيث تعيش البلاد حالة من التخبط نتيجة غياب التحكم الفعلي بالجانب الاقتصادي والأمني، هذه الحالة من فقدان السيطرة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج طبيعي لوجود "دولة عميقة" متمثلة في أحزاب سياسية متنفذة تمتلك القرار الفعلي وتفرض أجنداتها فوق مصلحة الدولة العليا، مما جعل العراق يعيش في دوامة من التبعية والارتهان لمراكز قوى داخلية وخارجية أدت إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية وتراجع دورها الإقليمي والدولي بشكل ملحوظ.
صراع المحاور وتأثيره على الدبلوماسية العراقية
وأوضح الدكتور عبد الكريم الوزان في حديثه أن تعدد الولاءات السياسية داخل العراق أدى إلى انقسام حاد في المواقف، مما جعل الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرار جريء أو شجاع وصريح في القضايا الحساسة دون العودة إلى أصحاب القرار الحقيقيين المتمثلين بالأذرع السياسية والمسلحة الموجودة على الأرض.
ويشير الوزان بوضوح إلى أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بصفته منتمياً إلى حزب سياسي تاريخي وهو "حزب الدعوة"، يجد نفسه محاصراً بضغوط الحزب والكتل الداعمة، مما يحد من استقلالية القرار الحكومي ويجعل السلطة التنفيذية مجرد أداة لتنفيذ توافقات الغرف المغلقة بدلاً من قيادة الدولة نحو السيادة الكاملة.
الأزمة الاقتصادية والفساد: تهديد وجودي لاستقرار الدولة
انتقل الدكتور الوزان في تحليله لـ "180 تحقيقات" إلى الجانب الاقتصادي، مؤكداً أن الأزمة الاقتصادية ستظل تشكل تهديداً وجودياً ومستداماً لاقتصاد العراق لعدة أسباب جوهرية، أول هذه الأسباب هو "الفساد الكبير" الذي أطنب في البلاد وأصبح مؤسسة موازية تبتلع موارد الدولة وتعيق أي محاولات للإصلاح، أما السبب الثاني فيعود إلى التعطل المتعمد للمصانع والآلة الصناعية العراقية، مما أدى إلى غياب الإنتاج المحلي والارتهان الكامل للاستيراد من الخارج، وهو ما نتج عنه ضعف حاد في التصدير واستنزاف للعملة الصعبة، هذا الاختلال البنيوي في الاقتصاد العراقي انعكس مباشرة على الجانب الأمني، بل وصل الأمر إلى مراحل حرجة تمثلت في الصعوبة البالغة لتوفير المرتبات الشهرية لموظفي الدولة، مما يضع السلم الأهلي على المحك ويهدد بانفجار اجتماعي نتيجة عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية.
مستقبل العراق بين الإصلاح والانهيار
ختم الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان رؤيته التحليلية بالتأكيد على أن العراق يقف اليوم في مفترق طرق خطير جداً، حيث أن استمرار النهج الحالي القائم على المحاصصة وتعدد الولاءات والفساد المؤسسي سيقود البلاد حتماً نحو مزيد من العزلة والضعف وإن معالجة أزمة "فقدان القرار" تتطلب شجاعة سياسية غير مسبوقة تضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار حزبي أو إقليمي ووإذا لم يتم تفعيل الماكنة الصناعية وتقليص الاستيراد ومحاربة الفساد بجدية، فإن الموارد النفطية وحدها لن تكفي لإدارة شؤون الدولة في ظل التزايد السكاني والالتزامات المالية الضخمة وإن العراق بحاجة إلى استعادة "السيادة الكاملة" بجميع أبعادها، ليكون قادراً على التعامل بندية مع المحاور الدولية وحماية شعبه من تداعيات الأزمات الاقتصادية والسياسية التي باتت تهدد كيان الدولة ومستقبل أجيالها القادمة.










