تعيش العلاقات الدولية مرحلة شديدة الحساسية فيما يخص الملف النووي الإيراني والتفاهمات الإقليمية، حيث تبرز قضية "الضمانات" كعقبة كؤود تحول دون التوصل إلى اتفاق مستدام بين طهران وواشنطن.
إن الموقف الإيراني الثابت يرتكز على حقيقة جيوسياسية مفادها أن الثقة بواشنطن قد انعدمت تماماً نتيجة تجارب سابقة مريرة، وعلى رأسها الانسحاب الأحادي الجانب من الاتفاق النووي في عام 2018، وما تبعه من فرض عقوبات اقتصادية جائرة ومخالفة صريحة لكل الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية.
وتؤكد طهران في خطاباتها الرسمية أن زمن "الوعود الشفهية" قد ولى دون رجعة، وأن أي تحرك دبلوماسي جديد يجب أن يقترن بضمانات قانونية وتنفيذية ملزمة تمنع أي إدارة أمريكية قادمة من تكرار سيناريو الانقلاب على العهود.
هذا التشدد الإيراني في طلب الضمانات ليس مجرد مناورة تفاوضية، بل هو ضرورة أمنية واقتصادية لحماية مصالح الشعب الإيراني وضمان استقرار الاستثمارات الدولية التي لا يمكن أن تتدفق إلى البلاد في ظل سيف العقوبات المصلت الذي تلوح به واشنطن عند كل منعطف سياسي داخلي.
إرث الوعود المنكوثة وأزمة الثقة البنيوية
إن أزمة الثقة بين طهران وواشنطن ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات من السياسات العدائية التي انتهجتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي أثبتت أن البيت الأبيض يفتقر إلى استمرارية السياسة الخارجية والالتزام بالاتفاقيات المبرمة.
حيث تصر إيران على أن الضمانات يجب أن تكون "ذاتية وموضوعية"، أي أن تمتلك طهران القدرة التقنية والعلمية التي تمكنها من العودة الفورية لبرنامجها النووي المتقدم في حال نكثت واشنطن بوعودها، وهو ما يسمى بـ "الردع التكنولوجي"، هذا النوع من الضمانات هو الوحيد الذي تراه طهران كفيلاً بلجم النزعات التوسعية والعدائية لواشنطن، حيث أصبح اليقين الإيراني راسخاً بأن القوة الذاتية هي الضامن الوحيد للسيادة في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والملتزمين بقدراتهم الوطنية.
المطالب الاقتصادية والقانونية لرفع العقوبات
تنتقل طهران في رؤيتها للضمانات إلى الجانب العملي المرتبط بمعيشة مواطنيها، حيث تشترط وجود آليات "تحقق" ملموسة لرفع العقوبات، بحيث لا يقتصر الأمر على إعلان سياسي، بل يجب أن يلمس الاقتصاد الإيراني تدفق الأموال وحرية التجارة والملاحة بشكل فعلي ومستمر لفترة زمنية محددة قبل التزام طهران بأي خطوات مقابلة.
إن الضمانات الاقتصادية المطلوبة تشمل تعهدات من الشركات الكبرى والبنوك الدولية بعدم التأثر بأي عقوبات مستقبلية مفاجئة، بالإضافة إلى توثيق هذه التعهدات في مجلس الأمن الدولي بطريقة تمنع استخدام حق النقض "الفيتو" ضد مصالح إيران المشروعة.
وتؤكد طهران لشركائها الدوليين في عام 2026 أن واشنطن استخدمت الدولار والنظام المالي العالمي كـ "سلاح حرب"، ولذلك فإن العودة لأي اتفاق تتطلب تجريد هذا السلاح من فاعليته عبر ضمانات قانونية دولية صارمة، تضمن لإيران حق المطالبة بتعويضات هائلة عن الخسائر التي لحقت باقتصادها نتيجة السياسات الأمريكية المتهورة والمخالفة للاتفاقيات المبرمة سابقاً.
تأثير الانقسام الأمريكي الداخلي على المفاوضات
أحد الأسباب الجوهرية التي تدفع طهران للمطالبة بضمانات حديدية هو حالة التشظي السياسي غير المسبوقة التي تعيشها الولايات المتحدة في عام 2026، حيث يبدو الكونجرس والبيت الأبيض في صراع دائم حول ملفات السياسة الخارجية. ويرى صانع القرار في إيران أن واشنطن لا تتحدث بصوت واحد، وأن أي اتفاق مع الإدارة الحالية قد يواجه برفض قاطع من السلطة التشريعية أو يتم تمزيقه في الدورة الانتخابية القادمة.
هذا القلق الإيراني مبرر تماماً بالنظر إلى التصريحات المتطرفة التي تصدر عن بعض أقطاب السياسة الأمريكية الذين يتوعدون بالعودة لسياسة "الضغوط القصوى".
ولذلك، ترفض طهران الدخول في "مقامرة دبلوماسية" جديدة دون وجود كفالات دولية من القوى الكبرى الأخرى مثل الصين وروسيا، تضمن استمرار تنفيذ الاتفاق بغض النظر عن هوية الرئيس الأمريكي القادم. إن إيران اليوم تدير المعركة الدبلوماسية بعقلية "المهندس" الذي يحسب كل الاحتمالات، واضعة نصب أعينها أن الضمانة الأكبر تكمن في صمود محور المقاومة وتطور القدرات الدفاعية التي تجعل من تكلفة نقض الاتفاق باهظة جداً على واشنطن وحلفائها في المنطقة.










