بعد ستة أسابيع من شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما المشترك على إيران في 28 فبراير 2026، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة اضطراب في سوق الطاقة. وقد أدى التعطيل شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى أكبر صدمة في الإمدادات في التاريخ، ما رفع سعر خام برنت إلى ما يزيد عن 100-110 دولارات للبرميل في ذروة انتشاره، وحافظ على تقلباته قرب 100-108 دولارات.
في البداية، ارتفع سعر الذهب بشكل صاروخي إلى مستويات قياسية تجاوزت 5400 دولار للأونصة مدفوعًا بعمليات شراء ملاذ آمن، لكنه تراجع منذ ذلك الحين وسط قوة الدولار ومخاوف التضخم، ويتداول حاليًا عند حوالي 4600-5100 دولار.
تُؤجّج هذه "العلاوة الحربية" مخاطر التضخم العالمي، مُهددةً قدرة المستهلك الأمريكي على شراء السلع، ومُعقّدةً استراتيجية واشنطن الحربية. وتنعكس تكاليف الطاقة المرتفعة على قطاعات الشحن والغذاء والتصنيع، بينما تستفيد الولايات المتحدة - التي أصبحت الآن مُصدّرة صافية للنفط - من بعض مكاسب النفط الصخري، لكنها تواجه تحذيرات من الركود التضخمي.
ويُحذّر المحللون من أن الإغلاق المطوّل قد يُقلّل من نمو الناتج المحلي الإجمالي ويرفع التضخم إلى ما بين 3 و5.8%، ما يُختبر الدعم الشعبي للصراع. ولا تزال الأسواق في حالة ترقب: فأي انفراجة دبلوماسية (عبر قنوات باكستان ومصر وتركيا) أو هجمات إيرانية أخرى قد تُؤدّي إلى تقلبات حادة في الأسعار. إن أزمة الطاقة ليست مجرد حدث اقتصادي جانبي، بل إنها تُؤثّر بشكل فعّال على مدة الحرب ونهايتها.
من الضربات العسكرية إلى الصدمة الطاقية
برز البُعد الاقتصادي للصراع فورًا. فقد أدى الرد الإيراني والتهديدات الموجهة للملاحة البحرية، بالإضافة إلى استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل للبنية التحتية المرتبطة بالطاقة، إلى توقف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز فعليًا بحلول أوائل مارس.
وكانت التدفقات قبل الحرب تُقدّر بنحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، فضلًا عن كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات العربية المتحدة. ولا تُغطي الطرق البديلة (البحر الأحمر، الفجيرة) سوى جزء ضئيل من الطاقة الاستيعابية، مما يُخلّف عجزًا عالميًا يتراوح بين 9 و11 مليون برميل يوميًا حتى بعد سحب كميات من الاحتياطيات.
ارتفعت أسعار النفط، التي تراوحت بين 67 و70 دولارًا قبل الضربات، بنسبة تتراوح بين 8 و42% في الأيام الأولى، وظلت مرتفعة رغم بعض التأثيرات السلبية من النفط الصخري الأمريكي، وإطلاق احتياطيات النفط الاستراتيجية، ومناقشات مجموعة السبع حول مخزونات النفط الطارئة.
وبدأ دور الذهب كملاذ آمن في الثاني من مارس مع فرار المستثمرين من أسواق الأسهم. وكانت النتيجة ضغوطًا متشابكة على المجهود الحربي الأمريكي، تمثلت في ارتفاع تكاليف الحلفاء، وتوترات سياسية داخلية للرئيس ترامب، ومنح طهران نفوذًا في محادثات الهدنة غير المباشرة.
النفط تحت الحصار: صدمة العرض وتقلب الأسعار
يُعدّ اضطراب مضيق هرمز المحرك الرئيسي. فمع إغلاق المضيق "فعليًا"، انخفض المعروض العالمي من النفط بشكل حاد، ما دفع أسعار النفط القياسية إلى التراجع ورفع علاوات المخاطر.
وتُظهر التداولات الأخيرة تقلبات حادة: فقد تجاوز سعر خام برنت 110 دولارات، وتجاوز سعر خام غرب تكساس الوسيط 111 دولارًا، قبل أن يشهد تراجعات طفيفة وسط تكهنات بالهدنة ومحادثات حول الاحتياطيات. وحتى 6 أبريل، استقرت الأسعار قرب أعلى مستوياتها في أربع سنوات، مع تقلبات يومية تتراوح بين 3 و10%.
أبرز العواقب:
تكاليف الطاقة العالمية:
ارتفعت أسعار الوقود والشحن والغاز الطبيعي المسال بشكل كبير؛ وقفز سعر الغاز الطبيعي بنسبة 8.6% في جلسة واحدة. وتواجه آسيا (وخاصة الصين، التي تستورد نحو 90% من التدفقات المرتبطة بإيران) أشدّ الخسائر، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على السلع المصنعة في جميع أنحاء العالم.
انكشاف الولايات المتحدة:
على الرغم من الإنتاج المحلي القياسي، فإن البنية التحتية للتصدير تربط أمريكا بالأسعار العالمية. ترتفع فواتير البنزين وزيت التدفئة والكهرباء، مما قد يضيف تضخمًا شهريًا بنسبة 0.5-1% في مارس. وتتبعها تكاليف البقالة والنقل عبر الأسمدة والشحن.
ارتباط الحرب:
تساهم الأسعار المرتفعة في تمويل إيران بشكل غير مباشر، بينما تُرهق ميزانيات حلفاء الولايات المتحدة. وتُفاقم الضربات الإسرائيلية على مواقع الطاقة الإيرانية والتهديدات الانتقامية هذه الدورة.
ويشير المحللون إلى أن هذا "أكبر اضطراب في الإمدادات في التاريخ"، مما يختبر مخزونات الطوارئ لدى وكالة الطاقة الدولية (أكثر من 90 يومًا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) ومخزون الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي (حوالي 400 مليون برميل).
الذهب: ارتفاع الطلب كملاذ آمن يواجه ضغوطاً معاكسة
كان رد فعل الذهب نموذجيًا ولكنه معقد. فقد ارتفع سعره فوق 5400 دولار للأونصة في أوائل مارس مع سيطرة المخاوف الجيوسياسية، حيث توقع بنك جيه بي مورغان "علاوة مخاطرة" على المدى القريب بنسبة 5-10%.
وقد عزز الطلب الفعلي في دبي وعمليات شراء البنوك المركزية هذا الارتفاع. إلا أن الجلسات اللاحقة شهدت انعكاسات: فقد حدّت من المكاسب عوامل مثل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وقوة الدولار (الذي يُعد ملاذًا آمنًا)، ومخاوف التضخم الناجمة عن أسعار النفط.
وتداولت الأسعار بشكل مستقر أو متراجع، حيث تراوحت مؤخرًا بين 4600 و5100 دولار، مع انخفاض سعر الفضة بأكثر من 3% في بعض الجلسات.
يعكس هذا "الفشل" في ديناميكيات الملاذ الآمن البحت الطبيعة الفريدة لحرب الطاقة: إذ يُضعف تضخم أسعار النفط جاذبية الذهب كأداة للتحوط ضد خفض أسعار الفائدة.
ومع ذلك، فإن أي تصعيد (مثل زيادة مشاركة المستثمرين بالوكالة أو استمرار أزمة هرمز) قد يُعيد إشعال شرارة الارتفاع نحو 5500-6300 دولار بحلول نهاية العام، وفقًا لبعض التوقعات. ويبقى الذهب مؤشرًا على تقلبات السوق.
تأثيرات أوسع على الاقتصاد العالمي
تؤثر الصدمة في مجال الطاقة بشكل مباشر على حسابات واشنطن. يُهدد ارتفاع أسعار الوقود والمرافق العامة أجندة ترامب المتعلقة بـ"القدرة على تحمل التكاليف"، في ظل حساسية الناخبين تجاه التدخلات الخارجية. وقد يرتفع التضخم من 2.4% إلى أكثر من 3%؛ وتُعقّد مخاطر الركود التضخمي قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
يستفيد النفط الصخري الأمريكي من ارتفاع الأسعار (مما يحفز الاستثمار)، كما أن وضع الولايات المتحدة كدولة مُصدِّرة صافية يخفف من بعض الآثار السلبية. مع ذلك، قد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى تباطؤ النمو نتيجة انخفاض الاستهلاك وارتفاع تكاليف مراكز البيانات والتصنيع التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
كما أن ارتفاع تكاليف الشحن، وتوتر سلاسل التوريد، وتراجع أسعار الأسهم في مقابل ارتفاع أسعار النفط. تواجه أوروبا وآسيا تداعيات حادة على النمو؛ وتعاني الأسواق الناشئة من التضخم المستورد. على المدى الطويل: احتمال تسارع وتيرة تنويع مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية والغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة.
يرتبط الاستدامة العسكرية بالأمر التالي: يمكن أن تدعم عائدات النفط المرتفعة العمليات الإيرانية/حزب الله بشكل غير مباشر، في حين تواجه الخدمات اللوجستية الأمريكية تكاليف وقود مرتفعة.
ماذا يقول الخبراء؟
يرى محللو جي بي مورغان مخاطر مرتفعة على أسعار النفط؛ قد يرتفع سعر الذهب أكثر على المدى القريب ولكنه يواجه رياحًا معاكسة للتضخم. كما أن الصراعات تشكل فرصة لارتفاع سعر الألومنيوم.
فيما يتوقع محللو أكسفورد إيكونوميكس أن يصل سعر 140 دولارًا للبرميل لمدة شهرين ينذر بركود عالمي طفيف؛ حتى متوسط 100 دولار يؤثر سلبًا على النمو ويرفع مؤشر أسعار المستهلك إلى 5.8%.
وأشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن كون الأسواق متقلبة لكنها عقلانية؛ يوفر النفط الصخري والمخزونات احتياطيات. الحرب المطولة تحول الاستثمار نحو مصادر الإمداد والكهرباء خارج الشرق الأوسط.
في حين حذرت تحليلات بلومبيرغ إيكونوميكس من أن نقص 9 ملايين برميل يومياً قد يحاكي صدمات السبعينيات؛ فالاحتياطيات تتناقص بسرعة.
الأسواق كقيد في الحرب
تشهد الأسواق العالمية حالة من الترقب والقلق، إذ يُساهم ارتفاع أسعار النفط في ظل الحرب في استمرار التقلبات التي لا يسيطر عليها أي من الطرفين بشكل كامل، بينما تُشير الإشارات المتضاربة للذهب إلى ديناميكيات متنافسة بين التضخم والخوف.
بالنسبة للمعتدي الأمريكي الإسرائيلي، تُشكل صدمة الطاقة سلاحًا ذا حدين: فهي تُكبّد تكاليف قد تُضعف الدعم المحلي وتماسك الحلفاء، وفي الوقت نفسه تُعزز موقف إيران من خلال الضغط على اقتصادها المُعتمد على التصدير.
ومع استمرار جهود الوساطة (مقترحات هدنة لمدة 45 يومًا بقيادة باكستان) في التمركز حول إعادة فتح مضيق هرمز، يُؤثر كل تغيير في الأسعار على المفاوضين.
إذا أسفرت القنوات الدبلوماسية عن استئناف جزئي للشحن، فقد تنخفض الأسعار بسرعة، مما يعكس عودة الأوضاع إلى طبيعتها بعد الصدمات التاريخية.
وفي غياب ذلك، فإن استمرار أسعار النفط عند 100 دولار أو أكثر يُهدد باختلال التوازن الاقتصادي ضد استمرار الصراع.
لا يقتصر دور قطاع الطاقة على رد الفعل على الحرب، بل إنه يُساهم بفعالية في تشكيل مسارها، حيث يراقب المستهلكون العالميون وصناع السياسات حركة الملاحة في مضيق هرمز وحركة الوسطاء خلال الـ 48 إلى 72 ساعة القادمة بحثًا عن مؤشرات حول ما إذا كان هذا الارتفاع سيظل ضمن نطاق السيطرة أم سيتطور إلى أزمة أعمق.









