أكد الباحث والكاتب في العلاقات الدولية والدبلوماسية، عدنان القصاص، أن الواقع الصحي في محافظات غزة وصل إلى مرحلة التآكل شبه الكامل، حيث تضررت قرابة 94% من المستشفيات، وهو رقم يعكس فقدان النظام الصحي لقدرته على الاستمرار.
وأوضح القصاص في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن المستشفيات المتبقية التي تعمل بشكل جزئي وفق تقارير منظمة الصحة العالمية لا يمكن اعتبارها مؤشراً على الصمود، بل هي دليل على إدارة أزمة داخل حالة انهيار شامل، حيث تحولت الخدمة الطبية من منظومة رعاية متكاملة إلى مجرد استجابة إسعافية مؤقتة تهدف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل ظروف ميدانية قاهرة.
تدمير البنية التحتية وخروج المنشآت عن الخدمة الصحية
وأشار القصاص إلى أن حجم الدمار طال أكثر من 84% من المنشآت الصحية، مما تسبب في خروج 60% من المستشفيات عن الخدمة تماماً، وهذا المستوى من التدمير يضع القطاع الصحي خارج أي معادلة للتعافي السريع، ويجعل الحديث عن إعادة الإعمار مرتبطاً بوقف التدهور أولاً وإعادة بناء الثقة في بيئة يفترض أن تكون محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، كما لفت إلى انخفاض عمل مراكز الرعاية الأولية إلى أقل من 40%، مما يفتح الباب أمام أزمات صحية صامتة تتراكم ببطء، وتؤدي إلى تداعيات ممتدة زمنياً قد تتحول إلى عبء إنساني طويل الأمد يتجاوز الحدود الجغرافية لقطاع غزة.
وسلط القصاص الضوء على الاختلال الحاد بين الاحتياج والقدرة، كاشفاً عن وجود 2000 سرير فقط مخصصة لأكثر من مليوني إنسان غزي، وهي فجوة تعكس غياب العدالة في توزيع الموارد الصحية في مناطق الصراع، وتؤكد أن الاستجابة الدولية الحالية لا ترقى لمستوى الكارثة، هذا الواقع الجديد أدى لتحول المستشفيات إلى نقاط إسعاف أولي، وهو ما يعكس انتقال القطاع من منطق "العلاج" إلى منطق "إدارة الضرر"، وهي مرحلة ترتبط عادة بانهيار البنية المؤسسية وليس مجرد الضغط عليها، مما يستدعي تدخلاً دولياً نوعياً يتجاوز البيانات السياسية إلى إجراءات عملية ملموسة.
نقص الإمدادات الطبية وارتفاع معدلات الوفيات والإعاقة
من جانب آخر، اعتبر القصاص أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية لا يقل خطورة عن تدمير المباني، بل قد يكون أكثر تأثيراً على المدى القصير، حيث تتحول الحالات القابلة للعلاج إلى حالات حرجة أو وفيات نتيجة غياب الإمكانيات، وأكد أن ارتفاع حالات الوفاة والإعاقات الدائمة لأسباب يمكن علاجها يعكس خللاً بنيوياً في منظومة الاستجابة الدولية، ويفتح نقاشاً قانونياً حول مسؤوليات الحماية الإنسانية في مناطق الصراع، حيث يصبح فقدان الحياة نتيجة مباشرة لغياب الدواء والمعدات، وليس فقط بسبب طبيعة الإصابة الناتجة عن العمليات العسكرية المستمرة.
وفي ختام تصريحاته لـ "180 تحقيقات"، شدد القصاص على أن استهداف الكوادر الطبية وقتل وإصابة الكفاءات المؤهلة، بالتوازي مع إنهاك الطواقم العاملة تحت الضغط المستمر وفي بيئة غير آمنة، يهدد بجودة الرعاية ويزيد من احتمالات الانهيار الوظيفي، وهذا الواقع يدفع لطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات الحماية الدولية للمنشآت المدنية، ويستدعي مراجعة حقيقية لدور المجتمع الدولي في ضمان الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية، وحماية ما تبقى من رمق في جسد المنظومة الصحية المنهكة في قطاع غزة بفعل العدوان المستمر.








