أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، اليوم الأربعاء، عن تحديثات ميدانية صادمة تعكس استمرارية المأساة الإنسانية رغم القرارات الدولية بوقف إطلاق النار، حيث أكدت الوزارة نقل 3 شهداء فلسطينيين إلى المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بالإضافة إلى تسجيل عدد من الجرحى.
وأوضحت الوزارة في بيانها الإحصائي أن حصيلة الشهداء والإصابات منذ انطلاق حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر عام 2023 قد ارتفعت إلى أرقام غير مسبوقة تاريخياً، حيث بلغت 72,315 شهيداً و172,137 جريحاً، وهذه الأرقام تعكس سياسة القتل الممنهج التي انتهجها الاحتلال الإسرائيلي على مدار سنوات، محولاً القطاع المكتظ بالسكان إلى ساحة لأكبر عملية إبادة بشرية موثقة بالصوت والصورة، في ظل عجز دولي عن كبح جماح آلة الحرب التي لا تفرق بين مدني ومنشأة صحية.
خروقات الهدنة واستهداف الاستقرار الهش
وعلى الرغم من دخول قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الحادي عشر من أكتوبر الجاري، إلا أن المعطيات الرسمية تشير إلى واقع مغاير على الأرض، حيث كشفت وزارة الصحة أن إجمالي شهداء الخروقات الإسرائيلية منذ بدء التهدئة المفترضة قد بلغ 736 شهيداً، إلى جانب إصابة 2,035 مواطناً بجروح متفاوتة، وهذه الإحصائية تضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات حادة حول جدوى الاتفاقات السياسية التي لا توفر حماية فعلية للمدنيين.
حيث يواصل جيش الاحتلال استهداف التجمعات السكانية والمناطق التي يفترض أنها آمنة، مما يعرقل جهود التعافي الأولي ويمنع المواطنين من العودة لتفقد منازلهم المدمرة، إن هذا الارتفاع في عدد الضحايا خلال فترة "الهدنة" يؤكد أن الاحتلال يسعى لفرض واقع ميداني جديد عبر القوة العسكرية، مستغلاً الثغرات في الرقابة الدولية لمواصلة عمليات القتل النوعي والتهجير القسري.
كارثة المفقودين وعجز فرق الدفاع المدني
إحدى أكثر الزوايا إيلاماً في التقرير الصحي هي قضية الضحايا الذين لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات، حيث أشارت الوزارة إلى أن طواقم الإسعاف والدفاع المدني تعجز تماماً عن الوصول إلى مئات الجثامين والمصابين بسبب الاستهداف المباشر أو تدمير البنية التحتية للطرق، ومنذ بدء سريان قرار وقف إطلاق النار، نجحت الطواقم في انتشال 759 جثة من المفقودين تحت الأنقاض، إلا أن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 11 ألف مفقود لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة.
وتعد هذه القضية قنبلة موقوتة تهدد بانتشار الأوبئة والأمراض، فضلاً عن العبء النفسي الهائل على العائلات التي لا تزال تنتظر خروج أبنائها من تحت ركام المنازل التي سويت بالأرض، وتناشد الجهات الطبية بضرورة إدخال معدات ثقيلة وفرق إنقاذ دولية لانتشال ما تبقى من ضحايا قبل فوات الأوان.
الإبادة الجماعية ومحو الخارطة الجغرافية
إن ما يشهده قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 ليس مجرد جولة عسكرية، بل هو عملية إبادة جماعية شاملة تمت بدعم عسكري وسياسي وغطاء دولي، شملت القتل المباشر، والتجويع المتعمد، والتدمير الشامل للمرافق الحيوية، ووفقاً للبيانات، فقد خلفت هذه الحرب أكثر من 244 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال الذين يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من الهجمات الجوية والمدفعية.
كما تسبب العدوان في محو مدن كاملة من الخارطة الجغرافية، حيث تعرضت الأحياء السكنية في شمال غزة ووسطها وفي خانيونس لدمار جعلها غير قابلة للحياة، هذا الدمار الممنهج يهدف بوضوح إلى منع أي إمكانية لعودة النازحين ودفعهم نحو خيارات التهجير القسري خارج حدود القطاع، متجاهلاً بذلك أوامر محكمة العدل الدولية والنداءات الحقوقية العالمية.
إلى جانب القصف، استخدم الاحتلال سلاح المجاعة الذي أزهق أرواح المئات، معظمهم من الأطفال الذين قضوا بسبب سوء التغذية الحاد ونقص المستلزمات الطبية، وتؤكد التقارير أن مئات آلاف النازحين يعيشون في خيام مهترئة أو في مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، مما حول الأزمة من أزمة أمنية إلى كارثة وجودية تهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
إن تجاهل الاحتلال لقرارات محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة يضع النظام القانوني العالمي في اختبار حقيقي؛ فبينما تستمر الإحصائيات في الارتفاع، تظل الاستجابة الدولية رهينة التوازنات السياسية، مما يمنح الضوء الأخضر لاستمرار آلة القتل في حصد المزيد من الأرواح البريئة في غزة، وسط غياب أفق حقيقي لإنهاء هذا الكابوس الإنساني المستمر.










