أكد المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بابار بالوش، أن الوضع الراهن في الجمهورية اللبنانية بات يثير القلق العميق لدى المنظمات الدولية، في ظل تدهور دراماتيكي ويومي للأوضاع الإنسانية ناتج عن استمرار عدوان الاحتلال الإسرائيلي وتوسيع رقعة استهدافه للمناطق المدنية.
وأوضح بالوش في تصريحات صحفية أدلى بها اليوم الأربعاء، أن لبنان شهد خلال الشهر الأخير فقط نزوح أكثر من مليون شخص، وهو ما يعادل تقريباً خُمس إجمالي عدد سكان البلاد، مما يعد مؤشراً خطيراً على اتساع رقعة الكارثة الإنسانية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ النزاعات المعاصرة في المنطقة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية غاراتها المكثفة، محولةً قرى بأكملها إلى مناطق غير قابلة للحياة، ودافعةً بمئات الآلاف من العائلات نحو المجهول في ظل ظروف مناخية ومعيشية تزداد صعوبة يوماً بعد آخر.
سياسة أوامر الإخلاء: تشريد منهجي ومعاناة نفسية حادة للنازحين
أوضح المسؤول الأممي بالوش أن الشهر الماضي تميز بنمط عسكري إسرائيلي يعتمد على إصدار أوامر إخلاء فورية للمناطق السكنية، تتبعها مباشرة هجمات جوية ومدفعية عنيفة، مما أدى إلى خلق حالة من التنقل المستمر وغير المستقر للسكان داخل الأراضي اللبنانية.
هذه "الرحلة القسرية" للبحث عن الأمان وضعت المدنيين في ظروف خطرة للغاية، حيث يضطرون للنزوح عدة مرات من منطقة إلى أخرى نتيجة اتساع بنك الأهداف الإسرائيلي.
ولفت المتحدث باسم المفوضية إلى أن غالبية هؤلاء النازحين يعيشون اليوم في حالة عجز كامل، وقد تعرضوا لصدمات نفسية حادة نتيجة فقدان منازلهم ومصادر رزقهم، علاوة على رعب الملاحقة بالقصف الجوي.
كما أشار إلى أن مراكز الإيواء الجماعية التي فُتحت بشكل طارئ تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، حيث يواجه المقيمون فيها نقصاً حاداً في المياه الصالحة للشرب، والخدمات الصحية، والخصوصية، مما ينذر بانتشار الأمراض والأوبئة.
النزوح العابر للحدود: فرار 200 ألف شخص باتجاه الأراضي السورية
في موازاة أزمة النزوح الداخلي التي تخنق المدن اللبنانية، كشف بابار بالوش عن أرقام صادمة تتعلق بالهجرة العكسية واللجوء عبر الحدود الدولية، حيث كشف أن أكثر من 200 ألف شخص غادروا لبنان باتجاه سوريا خلال الشهر الأخير فقط.
ومن بين هؤلاء، يوجد نحو 180 ألف لاجئ سوري كانوا يقيمون في لبنان وقرروا العودة إلى بلادهم رغم الظروف الصعبة هناك هرباً من الموت في لبنان، إضافة إلى أكثر من 20 ألف مواطن لبناني وجدوا في العبور نحو سوريا الملاذ الوحيد المتاح أمام إغلاق المسارات الأخرى.
وأكد بالوش أن المفوضية السامية وشركاءها الميدانيين يواصلون العمل على مدار الساعة لتقديم المساعدات الإغاثية، حيث تم توزيع مواد أساسية لنحو 200 ألف شخص حتى الآن.
وشدد على أن الاحتياجات المتزايدة تطال الجميع دون استثناء، سواء كانوا لبنانيين أو لاجئين سوريين، مما يتطلب استجابة دولية أسرع وتمويلاً عاجلاً لسد الفجوة الكبيرة بين الإمكانات المتاحة وحجم الكارثة على الأرض.
تهديدات الضفة الجنوبية والزهراني: إنذارات بمسح أحياء كاملة ببيروت
ميدانياً، لم تتوقف التهديدات الإسرائيلية عند حدود القصف، بل امتدت لتشمل حرباً نفسية وإنذارات بالتهجير القسري؛ حيث أنذر الجيش الإسرائيلي صباح اليوم الأربعاء بإخلاء 7 أحياء كاملة في الضاحية الجنوبية لبيروت تمهيداً لمهاجمتها وتدمير البنى التحتية فيها.
وشملت هذه الإنذارات مناطق مكتظة بالسكان وهي: حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، برج البراجنة، تحويطة الغدير، والشياح.
وفي الجنوب، لم يكن الوضع أقل مأساوية، حيث أُجبر السكان القاطنون جنوب نهر الزهراني على إخلاء منازلهم فوراً والنزوح باتجاه شمال النهر، في خطوة تهدف إلى إخلاء المنطقة الحدودية من سكانها الأصليين.
وترافقت هذه الإنذارات مع تنفيذ سلسلة غارات جوية ومدفعية عنيفة خلال الـ24 ساعة الماضية استهدفت 66 منطقة في جنوب لبنان، مما أسفر عن ارتقاء 8 شهداء وإصابة 22 آخرين على الأقل، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض.
صمود العاملين في المجال الإنساني وسط مخاطر العمل الميداني
أكد بابار بالوش أن العاملين في المجال الإنساني التابعين للأمم المتحدة والشركاء المحليين يواجهون ظروفاً ميدانية في غاية الصعوبة والخطورة أثناء أداء مهامهم الإغاثية، حيث لا تسلم قوافل المساعدات أو طواقم الإسعاف أحياناً من الاستهداف غير المباشر أو تداعيات القصف القريب ورغم هذه التحديات الأمنية واللوجستية الكبيرة، أكد بالوش أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ستواصل وجودها في لبنان ولن تغادر الميدان، التزاماً منها بمسؤوليتها تجاه حماية وحفظ حياة مئات الآلاف من المتضررين.
ويُذكر أن هذا التصعيد الإسرائيلي العنيف، الذي بدأ بضربات جوية مكثفة على الضاحية والجنوب والبقاع وتطور إلى توغل بري في أواخر شباط/ فبراير الماضي، قد خلق حالة من الشلل العام في الدولة اللبنانية، مما يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف إطلاق النار وتوفير ممرات آمنة للمساعدات، ومنع تحول لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة يدفع ثمنها الأكبر المدنيون واللاجئون العزل.










