21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين تعجز الاستخبارات: كيف سقطت أوهام التفوق الإسرائيلي أمام صلابة الخصوم؟

نُقل مؤخرًا عن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، رافي ميلو، قوله لسكان مستوطنة مسغاف عام إن الجيش فوجئ بحجم قوة "حزب الله" وقدرته على التعافي بعد الضربات

بقلم: سماح عثمان
٩ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
31 مشاهدة
حين تعجز الاستخبارات: كيف سقطت أوهام التفوق الإسرائيلي أمام صلابة الخصوم؟

حين تعجز الاستخبارات: كيف سقطت أوهام التفوق الإسرائيلي أمام صلابة الخصوم؟

نُقل مؤخرًا عن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، رافي ميلو، قوله لسكان مستوطنة مسغاف عام إن الجيش فوجئ بحجم قوة "حزب الله" وقدرته على التعافي بعد الضربات، مشيرًا إلى وجود فجوة واضحة بين ما كانت تعتقده المؤسسة العسكرية وما تكشفه الوقائع على الأرض. وأوضح أن التقديرات التي افترضت تحييد قدرات التنظيم عقب عملية "سهام الشمال"، التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار، كانت مفرطة في التفاؤل ولم تعكس الواقع الحقيقي.

وفي مقال لـ شيرا بربيفاي شاحام – بصحيفة "يديعوت" ، لم تقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ سبقت الهجوم على إيران سلسلة تهديدات إسرائيلية واضحة لـ"حزب الله" تحذّره من فتح جبهة ثانية خلال الحرب. لكن، وعلى الرغم من هذه التحذيرات، قرر التنظيم الانخراط في القتال بعد اغتيال خامنئي، في خطوة كشفت محدودية تأثير تلك التهديدات، وأعادت طرح تساؤلات جدية حول مدى فاعلية الردع الإسرائيلي في التأثير في قرارات الخصوم.

تقديرات تنهار أمام الواقع

هذه التقديرات المتفائلة لا تُعد حالة استثنائية، بل تأتي ضمن نمط متكرر في أداء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فقد سبقتها تقييمات مشابهة عقب الضربة الافتتاحية الإسرائيلية – الأمريكية في عملية "زئير الأسد" ضد إيران، حيث بُني قرار الدخول في الحرب على فرضية أن الضربة الأولى قد تؤدي إلى اندلاع احتجاجات داخلية تُسقط النظام الإيراني. غير أن هذه التقديرات لم تتحقق، وبقي النظام قائمًا، ما عكس فجوة واضحة بين التحليل الاستخباراتي والواقع السياسي والاجتماعي.

ويضاف إلى ذلك ما جرى قبل 7 أكتوبر 2023، حين سادت داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تصورات محدودة لسيناريوهات التصعيد من جانب "حماس". فقد انحصرت التوقعات في هجوم موضعي على بلدة أو عملية تسلل عبر الأنفاق، دون أن تتخيل الأجهزة الإسرائيلية حجم العملية الواسعة والمعقدة التي شهدها غلاف غزة في ذلك اليوم، والتي كشفت عن قصور عميق في فهم قدرات الخصم ونواياه.

أزمة تقدير الردع

تشير هذه الوقائع مجتمعة إلى ظاهرة أعمق تضرب بنية التفكير داخل مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، تتمثل في ضعف القدرة على تقييم قوة الردع وتأثيره في سلوك الخصوم. فالردع، في جوهره، يقوم على إدراك العدو حجم الرد المتوقع والثمن الذي سيدفعه في حال خوض الحرب، بما يفترض أن يمنعه من المخاطرة أو يدفعه إلى تأجيلها. غير أن انخراط قوى مثل "حماس" و"حزب الله" في المواجهة رغم هذه الحسابات، يكشف أن الردع الإسرائيلي لم يكن فعالًا بالقدر الذي روّجت له المؤسسة العسكرية.

كما أن تقييم قدرات العدو بعد كل جولة قتال يُفترض أن يستند إلى تحليل دقيق لحجم الأضرار التي لحقت به، ومدى تأثر بنيته العسكرية، والزمن الذي يحتاج إليه لإعادة بناء قدراته. إلا أن التجارب الأخيرة، سواء في إيران أو لبنان، وقبلها في غزة، تُظهر أن هذه التقديرات غالبًا ما اتسمت بالمبالغة في تقدير حجم الضرر، وبالتقليل من قدرة الخصم على التعافي وإعادة التنظيم، وهو ما أدى إلى قرارات مبنية على تصورات غير دقيقة.

إخفاقات ممتدة

تكشف الحالات المرتبطة بإيران و"حزب الله" خلال الجولة الحالية، إضافة إلى ما سبق 7 أكتوبر 2023 مع "حماس"، عن إخفاق متواصل في قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تقييم جاهزية الخصوم بعد القتال، سواء من حيث النيات، أي مدى تأثرهم بالردع، أو من حيث القدرات، مثل سرعة إعادة بناء القوة العسكرية وإنتاج الصواريخ والعتاد.

وفي ضوء الفجوات التي ظهرت خلال عملية "زئير الأسد" على الساحتين اللبنانية والإيرانية، يصبح من الضروري، وفق هذا الطرح، أن تعمل أجهزة الاستخبارات على تشكيل فرق تحقيق متخصصة لتشخيص أسباب هذا الإخفاق المتكرر. ويتطلب ذلك تفكيك المنظومة المفاهيمية التي أدت إلى هذه الأخطاء، والعمل على تطوير أدوات تقييم أكثر دقة، تتسم بقدر أكبر من التواضع، بل وتميل إلى التشاؤم المحسوب بدلًا من التفاؤل غير المدروس.

الحاجة إلى مراجعة جذرية

تُظهر هذه الظاهرة أن المشكلة لا تتعلق بتقدير واحد خاطئ، بل بنمط تفكير متكرر ينتج تقديرات متفائلة لا تصمد أمام الواقع. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الإخفاقات لا يمكن أن يقتصر على مراجعات داخلية، بل يستدعي تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تعمل بموضوعية ومهنية، لفحص أوجه القصور البنيوية داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

ومن شأن هذه اللجنة أن تقدم توصيات شاملة تتعلق بأساليب التقييم، والهياكل التنظيمية، وآليات اتخاذ القرار، سواء داخل الأجهزة الأمنية أو على مستوى التقدير الاستراتيجي العام في إسرائيل. فبدون مراجعة جذرية، سيبقى خطر الوقوع في الفجوة ذاتها قائمًا، وستستمر التقديرات المتفائلة في إنتاج مفاجآت ميدانية تعيد تشكيل موازين الصراع بصورة غير متوقعة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال