يرى الأستاذ الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن الاقتصاد في قطاع غزة لم يعد يعمل وفق القواعد التقليدية المعروفة، بل دخل فعلياً في مرحلة استثنائية يصفها بـ "اقتصاد الندرة القسرية"، وهي الحالة التي تتشكل عندما تُقيّد حركة السلع وتُفرض قيود مشددة على تدفق الموارد الأساسية، مما يدفع المجتمع نحو أنماط اقتصادية بدائية وغير تقليدية مثل المقايضة وتفشي السوق السوداء.
ويؤكد أبو مدلله أن هذه المرحلة تعمقت نتيجة استمرار القيود وتعثر تنفيذ البنود المتعلقة بتخفيف الأزمة الإنسانية، ما جعل الأسواق عاجزة عن تلبية احتياجات السكان، وأدى لارتفاع الأسعار إلى مستويات جنونية لم يسبق لها مثيل، الأمر الذي جعل الاقتصاد المحلي أكثر هشاشة وانعكس بصورة مأساوية على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني في القطاع المحاصر.
ويوضح أبو مدلله في تحليله، أن الظاهرة الأكثر لفتًا للانتباه في هذا الواقع الجديد هي تحول بعض السلع الاستهلاكية، لاسيما السجائر، إلى "عملة بديلة" ووسيلة للتبادل بدلاً من النقد التقليدي، حيث باتت تُستخدم للحصول على مواد غذائية أو خدمات بسيطة، وهذا التحول حسب رؤية د. سمير أبو مدلله يعكس انتقال غزة من "اقتصاد السوق" إلى "اقتصاد البقاء"، حيث تصبح الأولوية المطلقة لتأمين الاحتياجات البيولوجية الأساسية بدلاً من الإنتاج أو الاستثمار، وهو مؤشر خطير يرتبط عادة بالأزمات الإنسانية العميقة وحالات الحروب الممتدة التي تؤدي إلى تآكل وظيفة العملة الرسمية وبروز السلع النادرة كمعيار للقيمة وسيلة للتبادل التجاري بين السكان المنهكين اقتصادياً.
تراجع الشاحنات والأسعار
ويشير إلى أن الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والواردات الحقيقية هي المحرك الرئيسي لهذه الأزمة، فبينما يحتاج قطاع غزة إلى 600 شاحنة يومياً كحد أدنى، لا يدخل فعلياً سوى ما يتراوح بين 80 إلى 150 شاحنة في أفضل الظروف، وهذا التراجع الحاد أدى إلى انفجار في الأسعار، حيث رصد وصول سعر علبة السجائر في بعض الفترات إلى ما بين 100 و150 دولاراً، كما ارتفعت أسعار السكر والطحين والوقود بنسب تضاعفت عدة مرات، مما جعل تأمين الوجبات الأساسية عبئاً لا تستطيع الغالبية العظمى من الأسر تحمله، مما يكرس حالة الجوع والفقر الممنهج.
تعثر تنفيذ الاتفاقات
وفيما يخص المسار السياسي والاقتصادي، يحلل أسباب الفشل في لجم هذه الأزمة، مرجعاً إياها إلى عدم التزام الجانب الإسرائيلي ببنود المرحلة الأولى من الاتفاقات، فبينما التزمت الفصائل، استمرت العمليات العسكرية الموجهة والقيود على المعابر، ويشدد على أن عدم إعادة تشغيل معبر رفح وفق اتفاقية 2005، ومنع إدخال الكرفانات ومستلزمات الإيواء، وترميم المخابز والمستشفيات، كلها عوامل أدت إلى استمرار حالة "الندرة" وتغذية السوق السوداء، مما جعل أي حديث عن الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق دون استكمال الأولى نوعاً من الهروب للأمام وتكريساً لواقع اقتصادي مشوه.
مسؤولية الوسطاء والحلول
ويضع الوسطاء أمام مسؤولياتهم التاريخية والاقتصادية، مؤكداً أن دورهم يجب ألا يقتصر على التهدئة السياسية، بل يجب أن يمتد لضمان تدفق السلع وإعادة تأهيل البنية الاقتصادية الحيوية، ويرى أن استقرار الأسواق لن يتحقق إلا بآليات واضحة لمراقبة تنفيذ الاتفاقات وضمان انتظام دخول الوقود والمواد الخام، وبدون ذلك، سيبقى الاقتصاد الغزي يدور في حلقة مفرغة من الفقر الذي تجاوزت معدلاته 90%، مع تآكل كامل للطبقة الوسطى وانهيار تام للأنشطة الإنتاجية لصالح الاقتصاد غير الرسمي الذي يزدهر في ظل الأزمات.
ويختتم أبو مدلله تحليله بالتأكيد على أن تحول السيجارة إلى عملة بديلة في غزة ليس مجرد حكاية عابرة، بل هو صرخة اقتصادية تحذر من دخول القطاع في طور الانهيار النهائي، إن استمرار "اقتصاد الندرة القسرية" يعني تحول الأزمة إلى واقع دائم يصعب علاجه مستقبلاً، ما يتطلب تدخلاً دولياً فورياً لفتح المعابر وإعادة الروح لشريان الاقتصاد الغزي، معتبراً أن تنفيذ المرحلة الأولى من التفاهمات هو ضرورة إنسانية ملحة وحق أساسي للشعب الفلسطيني لضمان كرامته وحقوقه الاقتصادية الضائعة وسط ركام الأزمات المتلاحقة.










