20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لبنان: حداد وطني وغارات مستمرة رغم الهدنة

يستفيق لبنان اليوم على مشهد جنائزي يختصر حكاية وطن يُذبح بدم بارد, فبينما كان العالم يترقب أن تنسحب "هدنة الأسبوعين" التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

بقلم: محمد خميس
٩ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
24 مشاهدة
غارات الاحتلال على لبنان

غارات الاحتلال على لبنان

يستفيق لبنان اليوم على مشهد جنائزي يختصر حكاية وطن يُذبح بدم بارد, فبينما كان العالم يترقب أن تنسحب "هدنة الأسبوعين" التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين واشنطن وطهران وتل أبيب على كافة الجبهات، اختارت آلة الحرب الإسرائيلية أن تجعل من لبنان ساحة لتفريغ فائض القوة والانتقام. 

إن المشهد في شوارع بيروت والجنوب والبقاع لا يعكس أبداً أجواء التهدئة التي تتحدث عنها القوى الكبرى، بل يجسد حالة من الإبادة الممنهجة التي طالت الحجر والبشر. 

ومع إعلان الحكومة اللبنانية يوم حداد وطني وتنكيس الأعلام، يبدو أن الثمن الذي يدفعه لبنان في هذه المرحلة يتجاوز مجرد الصراع العسكري إلى محاولة لكسر إرادة الدولة ومؤسساتها، في ظل صمت دولي .

نزيف الدماء في الخميس الدامي: مجازر متنقلة من الزرارية إلى الشياح

لم يكد فجر الخميس يبزغ حتى عاود الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته الوحشية، وكأنه يسابق الزمن لتحقيق أكبر قدر من الدمار قبل أي ضغوط دبلوماسية محتملة. المجزرة المروعة في بلدة الزرارية كانت العنوان الأبرز لهذا اليوم، حيث استهدفت الغارات منازل آمنة مما أدى إلى استشهاد أكثر من 10 مواطنين، معظمهم من النساء والأطفال الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء تحت الأنقاض. 

وفي قلب الضاحية الجنوبية، وتحديداً في شارع عبد الكريم الخليل بمنطقة الشياح، كانت المشاهد أكثر مأساوية؛ حيث سويت ثلاثة مبانٍ سكنية بالأرض في لحظات، مخلفة دماراً هائلاً وفقدان عشرات العائلات لمأواهم، بينما لا تزال فرق الدفاع المدني والإسعاف تصارع الوقت لانتشال المفقودين من تحت الركام في ظروف ميدانية بالغة الخطورة.

الحصيلة القاسية: ارتفاع أعداد الشهداء ونعي عسكري للأبطال

الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية تعكس حجم الكارثة الإنسانية، حيث قفزت حصيلة الشهداء لتتجاوز عتبة الـ 203 شهداء، فيما غصت المستشفيات بأكثر من 1000 جريح، إصابات الكثير منهم حرجة. 

ولم تكن المؤسسة العسكرية بعيدة عن بنك الأهداف الإسرائيلي، حيث نعى الجيش اللبناني ببالغ الأسى أربعة من عسكرييه الأبطال الذين استشهدوا أثناء تأدية واجبهم الوطني في ظل هذه الغارات الغاشمة. 

هذا الاستهداف المباشر للجيش اللبناني والمدنيين والمنشآت الحيوية في بلدات مثل كونين والمنصوري وصور، يؤكد أن الاحتلال لا يفرق بين هدف عسكري ومدني، بل يسعى إلى خلق حالة من الفوضى والانهيار الشامل لفرض واقع سياسي جديد بقوة النار، ضارباً عرض الحائط بكافة القوانين والمواثيق الدولية التي تحمي المدنيين في زمن الصراعات.

الاغتيالات والردود الميدانية: حزب الله يتمسك بمعادلة الردع

في الجانب العسكري، تفاخر جيش الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات النوعية استهدفت الهيكل القيادي لحزب الله، حيث أعلن المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي عن اغتيال المساعد الشخصي للأمين العام نعيم قاسم، بالإضافة إلى اغتيال علي يوسف حرشي، السكرتير الشخصي للأمين العام، في غارات وصفت بالدقيقة على بيروت. 

هذه العمليات تهدف من خلالها إسرائيل إلى ضرب منظومة السيطرة والاتصال داخل الحزب وتوجيه ضربات معنوية للبيئة الحاضنة.

 وفي المقابل، لم يقف حزب الله مكتوف الأيدي، حيث رد بقوة عبر إطلاق رشقات صاروخية مكثفة استهدفت مستوطنة كريات شمونة ومحيطها في الشمال الإسرائيلي، مؤكداً أن تصفية القادة لن توقف العمليات العسكرية وأن الميدان هو الفيصل في تحديد موازين القوى، مما ينذر بجولة من التصعيد قد تكون الأكثر ضراوة منذ بدء المواجهة.

التحرك الدبلوماسي المتعثر: هل ينجح لبنان في انتزاع وقف إطلاق النار؟

على المستوى السياسي، يخوض رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور نواف سلام وفريقه الدبلوماسي معركة لا تقل ضراوة عن معركة الميدان، حيث تتكثف الاتصالات مع العواصم العربية والدولية، وعلى رأسها واشنطن وباريس، لانتزاع قرار يشمل لبنان بالهدنة الإقليمية.

 ورغم التصريحات الداعمة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي شدد على ضرورة احترام وقف إطلاق النار على كافة الجبهات، إلا أن الواقع يشير إلى "فيتو" إسرائيلي أو تماهٍ أمريكي مع استمرار العمليات في لبنان حتى تحقيق الأهداف الأمنية المزعومة في الشمال.

 إن الموقف البريطاني والإسباني المندد بالهجمات يعكس وعياً أوروبياً بهشاشة الهدنة التي تستثني لبنان، ولكن هذا الوعي لم يترجم بعد إلى ضغط فعلي يجبر تل أبيب على وقف آلة القتل، مما يترك لبنان وحيداً يواجه مصيره تحت وطأة القصف والحصار الإنساني الخانق.

لبنان بين الفاجعة الوطنية وصمود الإرادة

إن إعلان الحداد الرسمي في لبنان وإغلاق المؤسسات العامة ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو صرخة وطنية في وجه العالم الصامت، وتعبير عن حجم الفاجعة التي أصابت كل بيت لبناني.

 وبينما تعمل 100 سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني على مدار الساعة لنقل الجرحى والضحايا، يبقى السؤال قائماً، إلى متى سيظل لبنان خارج حسابات التهدئة الدولية؟ .

إن ما يحدث اليوم في الشياح والزرارية والمنصوري هو وصمة عار في جبين الإنسانية، وتأكيد على أن الأمن لا يمكن أن يتحقق بالدماء والدمار، بل بالعدالة واحترام السيادة. 

سيبقى لبنان رغم الغارات وصور الدمار، متمسكاً بحقه في الحياة والأمن، بانتظار أن تصحو الضمائر الدولية وتتوقف آلة القتل التي لا تجلب سوى المزيد من الأحقاد والحروب التي لا تنتهي.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

لبنان: حداد وطني وغارات مستمرة رغم الهدنة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°