أظهرت المواجهة العسكرية مع إيران أنها لم تكن مجرد اختبار عابر للقوة، بل تحولت إلى عامل استنزاف مباشر لمنظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية. ووفق ما ذكرته مجلة “بوليتيكو”، فإن هذا الاستنزاف يفرض على واشنطن تحديًا معقدًا يتمثل في إعادة بناء قدراتها الدفاعية خلال فترة قد تمتد لسنوات. كما يفتح ذلك الباب أمام إعادة تقييم شاملة لبنية الردع الصاروخي الأمريكية.
وخلال أكثر من شهر من القتال، استهدفت إيران عددًا من وحدات الرادار الأمريكية، وهي أنظمة دفاعية متقدمة مخصصة لرصد الصواريخ والطائرات المسيّرة واعتراضها. ويعكس هذا الاستهداف دقة الضربات التي طالت بنية دفاعية حساسة. كما يشير إلى تطور قدرات المواجهة لدى إيران في استهداف الأصول الدفاعية المعقدة.
وبحسب تقديرات خبراء عسكريين، فقد تعرضت عدة منظومات لأضرار جسيمة، فيما يُعتقد أن بعضها دُمّر بالكامل. ويؤكد ذلك حجم الضغط الذي تعرضت له المنظومة الدفاعية الأمريكية خلال المواجهة. كما يعزز المخاوف من فجوات محتملة في جاهزية الردع الصاروخي.
معادن حيوية
تُعد المعادن الحيوية، وعلى رأسها معدن الجاليوم، عنصرًا أساسيًا في تصنيع الصواريخ الاعتراضية، فضلًا عن استخدامها في صناعات تكنولوجية متقدمة مثل أشباه الموصلات. ويعكس ذلك الترابط الوثيق بين الصناعات العسكرية والمدنية في الطلب على هذه الموارد. كما يبرز أهمية هذه المعادن في دعم التفوق التكنولوجي والعسكري.
وفي هذا السياق، تقترب الصين من فرض هيمنة شبه كاملة على سلسلة إمداد الجاليوم، مع استعداد واضح لاستخدام هذا النفوذ كورقة ضغط عبر تقييد الصادرات. ويعزز ذلك مخاوف واشنطن من الاعتماد المتزايد على خصم استراتيجي في موارد حساسة. كما يضيف بعدًا اقتصاديًا جديدًا للصراع الجيوسياسي بين البلدين.
ومع تنامي طلب واشنطن على هذه المعادن لإعادة بناء منظومات الاعتراض، تتعزز قدرة بكين التفاوضية قبيل القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج. ويعكس ذلك تداخل الملفات الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية. كما يشير إلى أن المعادن الحيوية أصبحت جزءًا من أدوات الضغط السياسي.
ارتفاع الأسعار
ارتفعت أسعار الجاليوم بنسبة 32% خلال الشهر الماضي، بعد فترة من التراجع أعقبت اتفاق 30 أكتوبر بين الولايات المتحدة والصين. ويعكس هذا الارتفاع حساسية السوق تجاه التوترات الجيوسياسية. كما يشير إلى هشاشة استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وكانت تلك المفاوضات قد انطلقت جزئيًا بسبب السيطرة شبه الكاملة للصين على معالجة المعادن الحيوية، بما في ذلك الجاليوم. وقد استخدمت بكين هذا النفوذ في السابق لقطع الإمدادات ودفع واشنطن إلى طاولة التفاوض، بحسب “بوليتيكو”. ويؤكد ذلك أن سلاح الموارد أصبح أداة تفاوضية فعالة.
وقالت ويندي كاتلر، المفاوضة السابقة في مكتب الممثل التجاري الأمريكي، إن الطرف الذي يظهر بحاجة أكبر يصبح أكثر عرضة للضغط. وأضافت أن هذا الوضع يمنح الصين قدرة على رفع سقف مطالبها التفاوضية. ويعكس ذلك تحول الميزان الاقتصادي لصالح بكين في هذا الملف.
أهمية مزدوجة
لا تقتصر أهمية المعادن الحيوية على الاستخدامات المدنية مثل أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وشواحن الأجهزة، بل تمتد إلى الصناعات الدفاعية الأمريكية. ويعكس ذلك تشابك الاقتصاد المدني مع البنية العسكرية الحديثة. كما يبرز الدور الاستراتيجي لهذه المواد في دعم التكنولوجيا المتقدمة.
وتعتمد الصواريخ الاعتراضية على الجاليوم لتحسين دقة رصد التهديدات، بينما تستخدم عناصر أرضية نادرة مثل التيربيوم والديسبروسيوم في أنظمة التوجيه. وتسيطر الصين على أكثر من 90% من عمليات معالجة هذه العناصر. ويؤكد ذلك حجم الهيمنة الصينية على سلسلة الإمداد العالمية.
وقال برايان هارت من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن تعطيل هذه السلاسل قد يخلق اختناقات خطيرة في الصناعات الدفاعية. وأضاف أن هذه الصناعات تعاني أصلًا من صعوبات في تلبية الطلب المتزايد. ويشير ذلك إلى أن أزمة الإمدادات قد تضاعف التحديات القائمة.
استنزاف المخزون في حرب إيران
مع إعادة تجميع واشنطن لقواها خلال هدنة تمتد أسبوعين مع إيران، سيحصل الجيش على فرصة لتقييم الأضرار وتحديد متطلبات إعادة البناء. ويعكس ذلك محاولة لاستيعاب آثار المواجهة الأخيرة. كما يشير إلى بداية مرحلة إعادة التوازن العسكري.
ويؤدي تضرر الأنظمة الدفاعية إلى زيادة استهلاك الصواريخ الاعتراضية، حيث قد يتطلب إسقاط صاروخ واحد استخدام 10 أو 11 صاروخًا مضادًا. ويؤدي ذلك إلى استنزاف سريع للمخزون الدفاعي الأمريكي. كما يعكس حجم الضغط على منظومات الاعتراض خلال المواجهات المكثفة مع إيران.
ووفق تحليل لمعهد Payne Institute، فإن هذا الاستنزاف يضيف إلحاحًا لجهود تنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن الصين. ويؤكد ذلك أن التهديد لا يقتصر على ساحة المعركة، بل يمتد إلى سلاسل الإنتاج العالمية. كما يعزز الحاجة إلى حلول استراتيجية طويلة الأمد.
تحرك واشنطن
أكد البيت الأبيض أن أولوية الرئيس دونالد ترامب هي حماية الأمن القومي والاقتصاد الأمريكي. وأوضح أن الإدارة تتخذ إجراءات غير مسبوقة لتعزيز سلاسل إمداد المعادن الحيوية. ويعكس ذلك توجهًا استراتيجيًا نحو تقليل الاعتماد الخارجي.
وشملت هذه الإجراءات استثمارات مباشرة في مشاريع التعدين، وإبرام اتفاقيات دولية لتعزيز الإمدادات. كما بدأت واشنطن التفاوض على اتفاق متعدد الأطراف للمعادن الحيوية، وطلبت واشنطن تخصيص 1.1 مليار دولار لإنشاء مكتب متخصص داخل وزارة الطاقة. ويؤكد ذلك حجم التوسع المؤسسي في هذا المجال.
كما شاركت وزارة الخارجية في تنسيق الجهود مع الحلفاء لتأمين سلاسل الإمداد، في إطار استراتيجية متعددة الأدوات. ويعكس ذلك توجهًا نحو بناء شبكة تحالفات اقتصادية وأمنية متكاملة. كما يشير إلى أن ملف المعادن أصبح جزءًا من الأمن القومي الأميريكي.
استثمارات استراتيجية
في يوليو الماضي، أصبح البنتاجون أكبر مساهم في شركة “إم بي ماتيريالز”، المالكة للمنجم الوحيد للعناصر الأرضية النادرة في الولايات المتحدة، بعد استثمار بقيمة 400 مليون دولار. ويعكس ذلك دخول المؤسسة العسكرية مباشرة في دعم قطاع المعادن. كما يشير إلى أهمية هذا القطاع في الاستراتيجية الدفاعية.
وفي أكتوبر، أعلنت الإدارة الأمريكية عن اتفاق مع أستراليا لاستثمار 3 مليارات دولار في مشاريع المعادن الحيوية، بما في ذلك إنشاء مصفاة جاليوم بطاقة إنتاجية تبلغ 100 طن سنويًا. ويعكس ذلك توسع واشنطن في الشراكات الدولية. كما يهدف إلى تقليل الاعتماد على الصين في سلاسل التوريد.
وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير إن الولايات المتحدة تحقق تقدمًا نحو الاكتفاء الذاتي في العناصر الأرضية النادرة. وأضاف أن الاستراتيجية تشمل الاستثمار والتخزين والتصنيع والتسعير المستدام. ويعكس ذلك رؤية شاملة لإعادة هيكلة قطاع المعادن الحيوية.
هيمنة صينية
يرى خبراء أن الجاليوم يمثل أحد أكثر المجالات الواعدة لزيادة الإمدادات الأمريكية، نظرًا لصغر حجم السوق وإمكانية إنتاجه كمنتج ثانوي. ويعني ذلك أن زيادة المعروض ممكنة تقنيًا لكنها تحتاج إلى تطوير سلاسل إنتاج جديدة. كما يبرز فرصة محدودة لكنها استراتيجية.
لكن هذه الجهود تحتاج إلى وقت طويل مقارنة بسرعة استنزاف المخزون العسكري الأمريكي. ويعكس ذلك فجوة زمنية بين الطلب العسكري وقدرات الإنتاج. كما يضيف تحديًا إضافيًا لصانعي القرار في واشنطن.
وقال برايان هارت إن الصين ستظل قادرة على استغلال هيمنتها على المعادن الحيوية على المدى القصير والمتوسط. وأضاف أن هذه الهيمنة كانت ورقتها التفاوضية الأهم في اتفاق بوسان مع إدارة ترامب. ويؤكد ذلك استمرار النفوذ الصيني في هذا الملف.
واشنطن وبكين
ظل الاتفاق التجاري بين واشنطن وبكين مستقرًا نسبيًا خلال الأشهر الماضية، مع التزام الصين بتخفيف قيود التصدير. لكن أي تغيير في هذا التوازن قد يعيد التوترات التجارية إلى الواجهة سريعًا. ويعكس ذلك هشاشة الاستقرار القائم.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الصين ستستغل نفوذها الناتج عن حرب الشرق الأوسط. ومع اقتراب زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين، تشير التقديرات إلى رغبة الطرفين في الحفاظ على الاستقرار. كما يعكس ذلك حسابات دقيقة لتجنب التصعيد.
وقال ديريك سيسورز من China Beige Book إنه لا يرى مصلحة للصين في تقويض الوضع القائم. وأضاف أن الظروف الحالية تخدم بكين دوليًا دون الحاجة إلى مخاطر إضافية. ويشير ذلك إلى احتمال استمرار التوازن الحالي رغم التوترات.








