خلال العدوان الأخير على إيران ولبنان، كانت قناة الجزيرة واحدة من أبرز القنوات التي تابعت التطورات على الأرض، وبثّت تغطية مكثفة عبر شاشتها. ما شدّ انتباهي هو الفرق الكبير بين التحليل المقدم على الشاشة وبين الواقع المعقد للأحداث، مما أبرز أزمة النخب الإعلامية والسياسية في العالم العربي.
على الشاشة، ظهر عدد كبير من المحللين والخبراء المستحدثين، لكن معظمهم قدم تحليلات ضعيفة وغير مقنعة. كانوا يكررون المصطلحات العسكرية والسياسية، يشرحون الضربات والغارات، لكن دون ربطها بالواقع الإقليمي أو بتأثيرها على حياة الناس اليومية. التحليلات كانت رسمية جدًا، وكأنها صادرة عن السلطة مباشرة، بدلًا من أن تكون تفسيرًا مستقلاً يساعد المشاهد على فهم الأحداث بعمق.
في المقابل، ظهرت شخصيات مثل حسن أحمديان، الذي قدم على شاشة الجزيرة تحليلات واضحة، بسيطة، ومقنعة. أحمديان لم يكتفِ بوصف الغارات، بل ربطها بالاستراتيجيات العسكرية والسياسية، وشرح تأثيرها المباشر على لبنان وإيران، حتى على المستوى الشعبي والاقتصادي. شخصيًا شعرت أن تحليله يجعل الأحداث أكثر وضوحًا، ويمنح المشاهد القدرة على استيعاب الواقع المعقد الذي يحدث أمامه.
هذه التجربة على الجزيرة تبرز أزمة أعمق في النخب العربية: هناك أسماء ومناصب، لكن التأثير الحقيقي ضعيف، لأن التحليل الرسمي غالبًا لا يربط الأحداث بالواقع ولا يلامس وعي الناس. بينما صوت واحد صادق وواضح، مثل أحمديان، يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من عشرات النخب المستحدثة.
وجهة نظري الشخصية واضحة: التأثير الحقيقي للنخب في العالم العربي لا يأتي من المنصب أو من كثرة الظهور على الشاشة، بل من القدرة على التحليل الواقعي، الصدق، والبساطة في الشرح، وربط الأحداث بالواقع اليومي للناس. العدوان الأخير على إيران ولبنان كشف بوضوح أن الإعلام بحاجة إلى إعادة تقييم، ليس فقط في عدد المحللين، بل في نوعية التحليل الذي يُقدّم للمشاهد.
في النهاية، متابعة الجزيرة والتحليل الذي قدمه أحمديان علمتني درسًا مهمًا: القيمة الحقيقية لأي نخبة إعلامية أو سياسية تقاس بقدرتها على توصيل الحقيقة وفهم الناس لما يحدث، لا بامتلاك منصب رسمي أو شهرة على الشاشة. أي تحليل لا يلامس وعي المشاهد يبقى فارغًا، وأي صوت صادق يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز كل الألقاب والمنصات الرسمية.









