لم يعد الماء في العراق مرادفاً للحياة كما عرفته الأجيال بل صار في بعض مناطقه وجهاً آخر للموت يتسلل بصمت إلى الأنهار ويستقر في أعماقها حتى إذا ما انكشف كان قد أزهق ما لا يُحصى من الأرواح الصامتة في مشهد يختزل حجم الإهمال ويعرّي خلل الإدارة ويكشف هشاشة الرقابة إن ما شهدته محافظة واسط من حالات نفوق واسعة للأسماك ليس حادثاً عابراً ولا ظاهرة طبيعية طارئة بل هو نتيجة مباشرة لتلوث نفطي يزحف إلى مجرى المياه دون رادع حقيقي أو مساءلة صارمة حتى تحولت ضفاف النهر إلى شواهد على كارثة بيئية مكتملة الأركان
النفط الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة اقتصادية للعراق انقلب بفعل سوء الإدارة إلى أداة تدمير بطيء للبيئة فالتسربات النفطية ومخلفات الاستخراج والنقل حين تُترك بلا معالجة ولا رقابة تجد طريقها إلى المياه فتخنق الأكسجين وتسمم الكائنات الحية وتدمر التوازن البيئي الذي استمر لعقود طويلة في لحظات قليلة إن الأسماك التي طفت ميتة على سطح الماء لم تكن مجرد خسارة اقتصادية لصيادي واسط بل كانت رسالة واضحة بأن الخطر قد تجاوز حدود الماء ليهدد صحة الإنسان ويمس أمنه الغذائي بشكل مباشر
وفي ظل هذا المشهد القاتم يبدو الصمت الرسمي أكثر فتكاً من التلوث ذاته إذ لا تكفي البيانات المقتضبة ولا اللجان المؤقتة لمعالجة كارثة بهذا الحجم فالمشكلة أعمق من حادثة عابرة وهي تكشف عن غياب منظومة متكاملة لحماية الموارد المائية وعن ضعف في تطبيق القوانين البيئية وعن تهاون في محاسبة الجهات المتسببة مهما كانت إن استمرار هذا النهج يعني أن ما حدث في واسط لن يكون الأخير بل مقدمة لانهيار بيئي أوسع قد يمتد إلى مناطق أخرى
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة بيئية بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية أبسط مقومات الحياة فالماء حين يتحول إلى مصدر تهديد يفقد المجتمع أحد أهم عناصر استقراره وحين تُترك الأنهار لتُسمم دون رادع فإن ذلك يعني أن الخطر لم يعد محصوراً في الأسماك وحدها بل بات يطال الإنسان نفسه بصحته وغذائه ومستقبله
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بالاعتراف بحجم الكارثة ثم التحرك الجاد لوقف مصادر التلوث ومحاسبة المسؤولين ووضع خطط عاجلة لمعالجة المياه وإعادة التوازن البيئي قبل أن يصبح النهر الذي كان يوماً شريان الحياة شاهداً دائماً على موتٍ يمكن تفاديه..









