شهدت محافظة رام الله والبيرة، مساء اليوم، موجة جديدة من التصعيد الميداني الدامي، حيث أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد الشاب علي ماجد حمادنة “23 عاماً” متأثراً بإصابته برصاص مستوطنين في بلدة دير جرير.
وتزامن هذا الاعتداء مع اقتحام واسع نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم الجلزون شمال مدينة رام الله، حيث انتشرت الآليات العسكرية في عدة أحياء وسط إطلاق مكثف للرصاص الحي وقنابل الصوت، مما أثار حالة من الذعر بين صفوف المواطنين العزل.
وتأتي هذه التطورات في ظل بيئة أمنية متفجرة تشهدها الضفة الغربية، حيث باتت اعتداءات المستوطنين المسلحين تتم بحماية مباشرة وعلنية من جيش الاحتلال، ضمن خطة تهدف إلى ترهيب السكان الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم لصالح التوسع الاستيطاني الذي تسارع وتيرته بشكل غير مسبوق خلال العام الجاري.
إرهاب المستوطنين في دير جرير: رصاصة غادرة تنهي حياة الشاب علي حمادنة
في تفاصيل الهجوم الغادر، أفادت مصادر محلية وطبية بأن مجموعة من المستوطنين المسلحين هاجموا بلدة دير جرير شمال شرق رام الله من مدخلها الغربي، وشرعوا بإطلاق النار بشكل عشوائي ومباشر تجاه منازل المواطنين والأهالي الذين حاولوا التصدي للاقتحام.
وأكدت وزارة الصحة أن الشاب علي حمادنة أصيب برصاصة اخترقت ظهره وصدره، ونقل على إثرها إلى مجمع فلسطين الطبي بمدينة رام الله في حالة حرجة جداً، قبل أن يعلن الأطباء استشهاده لاحقاً.
من جهته، أوضح رئيس مجلس قروي دير جرير، فتحي حمدان، أن جيش الاحتلال اقتحم المنطقة عقب هجوم المستوطنين لا لتوفير الأمن أو اعتقال المعتدين، بل لتأمين الحماية لهم وضمان انسحابهم بسلام، في مشهد يكرس تكامل الأدوار بين المؤسسة العسكرية الرسمية وعصابات المستوطنين المتطرفة.
اقتحام مخيم الجلزون: رصاص وقنابل صوت تروع الأحياء السكنية شمال رام الله
بالتزامن مع أحداث دير جرير، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال مخيم الجلزون شمال رام الله، حيث انتشر الجنود المشاة والآليات العسكرية في أزقة المخيم المكتظ بالسكان.
وأفاد شهود عيان بأن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص الحي والمعدني المغلف بالمطاط بكثافة خلال الاقتحام، دون أن يبلغ عن وقوع إصابات أو اعتقالات حتى لحظة إعداد هذا التقرير. ويخضع مخيم الجلزون لاقتحامات شبه يومية تهدف إلى استنزاف القوى الحية داخل المخيم وفرض قبضة أمنية مشددة، خاصة وأنه يقع بمحاذاة مستوطنة "بيت إيل" الجاثمة على أراضي المواطنين، مما يجعله نقطة احتكاك دائمة وساحة لمواجهة اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال على حد سواء.
لغة الأرقام: 443 هجوماً للمستوطنين في شهر واحد وسط غياب المحاسبة
تشير المعطيات الصادرة عن "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان" إلى تصعيد خطير وممنهج في وتيرة اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية. ووفقاً للتقرير الأخير للهيئة، فقد تم تنفيذ 443 هجوماً خلال الفترة ما بين 28 فبراير و28 مارس 2026، شملت إطلاق نار مباشر، وإحراق منازل وممتلكات، ومحاولات لفرض وقائع استيطانية جديدة بقوة السلاح.
وأدت هذه الاعتداءات خلال تلك الفترة القصيرة إلى استشهاد 9 فلسطينيين، وتخريب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وإشعال الحرائق فيها. كما لفت التقرير إلى أن المستوطنين استغلوا الغطاء الأمني لإقامة 14 بؤرة استيطانية جديدة في مناطق استراتيجية من الضفة، مما يهدد بتقطيع أوصال القرى والبلدات الفلسطينية وعزلها تماماً عن بعضها البعض.
حصيلة العدوان منذ أكتوبر 2023: نزيف مستمر وآلاف الشهداء والجرحى
يأتي استشهاد الشاب حمادنة اليوم ليضاف إلى السجل الدامي لضحايا الاحتلال في الضفة الغربية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وتفيد البيانات الرسمية بأن عدد الشهداء في الضفة قد تجاوز 1140 شهيداً، فيما ارتفع عدد المصابين إلى نحو 11 ألفاً و750 مصاباً، عدا عن حملات الاعتقال الواسعة التي طالت قرابة 22 ألف فلسطيني.
هذا التصعيد المستمر يعكس قراراً سياسياً إسرائيلياً بحسم الصراع في الضفة الغربية عبر القوة العسكرية المفرطة وإطلاق يد المستوطنين لارتكاب الجرائم، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لوقف هذه الإبادة الصامتة وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الذي يواجه آلة الحرب والاستيطان بصدور عارية.
الصمود الفلسطيني في مواجهة الاقتلاع: دير جرير والجلزون نموذجاً
رغم قسوة الاعتداءات وفقدان الأرواح، لا يزال المواطنون في دير جرير ومخيم الجلزون وباقي بلدات الضفة الغربية يسطرون ملاحم من الصمود في وجه محاولات الاقتلاع.
إن إصرار الأهالي على التصدي لهجمات المستوطنين، كما حدث اليوم في دير جرير، يؤكد أن سياسة الترهيب والقتل لم تنجح في ثني الفلسطينيين عن الدفاع عن أرضهم ومقدساتهم.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه السياسة الاحتلالية سيؤدي حتماً إلى انفجار الأوضاع بشكل شامل في الضفة، حيث لم يعد لدى المواطن الفلسطيني ما يخسره أمام واقع يجمع بين القتل اليومي، والاعتقال التعسفي، والنهب الممنهج للأرض، وهو ما يستدعي تحركاً وطنياً ودولياً عاجلاً لكسر حلقة الإرهاب الاستيطاني المدعوم من حكومة الاحتلال.










