بعد ما اعتُبر فشلاً في مفاوضات باكستان لعدم تحقيق أي اختراق ملموس، تُطرح رحلةُ نواف سلام اليوم أمام اختبارٍ قاسٍ: هل هي محاولة جدّية لكسر الجمود، أم مجرّد تحرّكٍ ضمن سقوفٍ مرسومة لا يملك لبنان تجاوزها؟
رحلةُ نواف سلام إلى الخارج، في ظل ما يُتداول عن طلب إحدى الدول عبر سفيرها تأجيل زيارته أو عدم التوجّه إليها، ليست تفصيلاً عابراً في المشهد السياسي اللبناني، بل تعكس حساسية المرحلة وتعقيد التوازنات الإقليمية والدولية التي تحيط بلبنان.
هذه الإشارات، إن صحّت، تدلّ على أن لبنان لم يعد يتحرّك بحرية كاملة في علاقاته الخارجية، وأن أي خطوة دبلوماسية باتت خاضعة لحسابات دقيقة تتجاوز الدولة نفسها أحياناً. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لا في الزيارة بحدّ ذاتها، بل في هامش القرار الذي تتحرّك ضمنه.
ولا يمكن إغفال حقيقة يدركها الجميع، وهي أن وصول جوزاف عون ونواف سلام إلى مواقع المسؤولية جاء في ظل ظروف داخلية وخارجية معقّدة، وبدعم واضح من أطراف دولية وإقليمية. وهذه ليست تهمة، بل واقع سياسي يفرض نفسه، ويجعل أي تحرّك خارجي مرتبطاً حكماً بهذه التوازنات.
قد تنجح هذه الزيارة في إعادة فتح قنوات التواصل مع المجتمع الدولي، وربما تثمر دعماً سياسياً أو وعوداً مشروطة، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها تبقى أن لبنان لا يُنقذ من الخارج، وأن القرار الحقيقي لا يُصنع إلا في الداخل. وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً، هل يملك لبنان قراره فعلاً، أم أنه لا يزال ينتظر من يحدّد له سقوف حركته؟
لقد تعب العالم من تقديم الوعود للبنان دون أن يلمس إصلاحاً فعلياً، وفقدت الدولة جزءاً كبيراً من ثقة شركائها بسبب التناقض بين الخطاب والممارسة. لذلك، فإن أي دعم خارجي اليوم لن يكون مفتوحاً، بل مشروطاً بوضوح القرار، وجدية الإصلاح، واستعادة الدولة لدورها الكامل.
غير أن الخطر لا يكمن فقط في ضعف الثقة الدولية، بل في الانقسام الداخلي العميق، حيث تتعدد المرجعيات، ويتشتت القرار، وتتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى مادة سجال داخلي بدل أن تكون نقطة التقاء. وهنا، لا تعود الزيارات الخارجية حلولاً، بل تتحوّل إلى أدوات لتأجيل المواجهة مع الأزمة الحقيقية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقتصر على مخاطبة الخارج، بل تبدأ بمصارحة الداخل. فلبنان لا يمكن أن يقوم إذا بقيت قراراته موزعة، ولا يمكن أن يستعيد عافيته إذا بقي رهينة التوازنات الهشة. المطلوب ليس خطاباً جديداً، بل قرار واضح يعيد للدولة مرجعيتها الفعلية، لا الشكلية.
ويصبح من الخطأ القاتل أن يتحول أي مسار سياسي إلى مواجهة مع طائفة شريكة في الوطن، أو إلى محاولة لكسب عطف فئة على حساب أخرى. فلبنان لا يُحكم بالغلبة، ولا يُبنى بالإقصاء، بل يقوم على التوازن والشراكة الحقيقية بين جميع أبنائه.
إن المرحلة اليوم لا تحتمل شعارات عامة، بل تتطلب وضوحاً في الخيارات وجرأة في القرار. فلا سلام يُفرض من الخارج، ولا استقرار يتحقق في ظل الانقسام، ولا إصلاح ينجح دون إرادة داخلية جامعة.
الخلاصة لم تعد تحتمل التأجيل: رحلة الخارج، مهما كانت نتائجها، لن تكون سوى خطوة ناقصة ما لم تُستكمل بقرار داخلي واضح وشجاع. فإمّا أن يختار لبنان أن يكون دولةً واحدةً بقرارٍ واحد، وإمّا أن يبقى في دائرة الانتظار، حيث لا يأتي الدعم إلا بشروطٍ قاسية قد لا يحتملها.







