الأثر المادي.. وثيقة علمية تقاوم الطمس وتثبت استمرارية الوجود
التراث الفلسطيني: خط الدفاع الأول عن الهوية في مواجهة التهويد
من الدبكة إلى التطريز.. حين تتحول الثقافة إلى فعل مقاومة يومي
المعرفة الأكاديمية بين الحياد والانحياز في قراءة التاريخ الفلسطيني
استهداف المواقع الأثرية.. ضربٌ للذاكرة الجمعية وليس للحجارة فقط
علم الآثار كأداة قانونية لتعزيز الحقوق الفلسطينية دوليًا
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإقليمي والدولي، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالذاكرة والتاريخ والهوية.
وفي هذا السياق، يكتسب البحث في التاريخ والآثار أهمية مضاعفة، ليس فقط كحقل معرفي يوثّق الماضي، بل كأداة فاعلة في مواجهة محاولات الطمس وإعادة تشكيل السردية التاريخية، ومن هنا تأتي أهمية الحوار مع الدكتورة منى أبو حمدية، الباحثة الفلسطينية في التاريخ والآثار، التي تسلّط الضوء من خلال رؤيتها الأكاديمية على دور الأدلة الأثرية والتراث الثقافي.

الدكتورة منى أبو حمدية
كما يناقش هذا الحوار أبعاد العلاقة بين المعرفة العلمية والسياق السياسي، ودور المؤسسات الأكاديمية الدولية، إلى جانب تأثير الاعتداءات على المواقع التراثية، وإمكانيات توظيف البحث الأثري في دعم الحقوق الفلسطينية على المستوى القانوني والدولي.
وإليكم نص الحوار:
كيف يمكن توظيف الأدلة الأثرية والتاريخية في تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس وإعادة كتابة التاريخ؟
إن الأدلة الأثرية ليست مجرد شواهد صامتة، بل وثائق حيّة تنطق بعمق الوجود الإنساني المتواصل على هذه الأرض، ويضاف الى ذلك أن الحجر والأثر المادي يشكّلان أحد أكثر أشكال الشهادة التاريخية صلابةً وموضوعية، إذ إن المادة الأثرية لا تُدوَّن بالحبر القابل للمحو، بل تُنقش في طبقات الأرض وتكويناتها، فتغدو دليلاً محسوساً يمكن قياسه وتحليله وإخضاعه للمنهج العلمي، ومن هنا، فإن مصداقية الأثر المادي تستمد قوتها من قابليته للفحص المتكرر والتحقق المستقل، ما يجعل التشكيك به أمراً بالغ الصعوبة في ظل المعايير العلمية المعاصرة، فالحجر حين يُقرأ قراءة علمية دقيقة، يتحوّل من جماد صامت إلى وثيقة تاريخية راسخة، تقاوم محاولات الطمس وتثبت استمرارية الوجود الإنساني على هذه الأرض عبر العصور،ويمكن توظيفها عبر التوثيق العلمي الدقيق للمواقع، ونشر نتائج الحفريات في مجلات أكاديمية محكّمة، وربط المعطيات الأثرية بالسجلات التاريخية والخرائط العثمانية والانتدابية، بما يكوّن سردية متماسكة تستند إلى منهج علمي لا إلى خطاب سياسي.

الدكتورة منى أبو حمدية
كما أن رقمنة المكتشفات الاثرية، وإعداد قواعد بيانات مفتوحة للباحثين، يعزّز حضور الرواية الفلسطينية في الفضاء المعرفي العالمي ويجعلها قابلة للتحقق والمراجعة، ومن المهم كذلك توجيه الجهد البحثي نحو دراسة الاستمرارية الحضارية في المدن والقرى، حيث تكشف اللقى الأثرية عن تتابع حضاري طويل يعكس جذوراً ضاربة في الزمن، ويمنح الرواية التاريخية سندا ماديا يصعب تجاهله أو تجاوزه.
إلى أي مدى يشكّل التراث المادي وغير المادي في فلسطين عنصرًا من عناصر الصمود الثقافي والهوية الوطنية في ظل السياسات الإسرائيلية؟
يشكّل التراث المادي وغير المادي في فلسطين أحد أعمدة الصمود الثقافي، بل يمكن اعتباره خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس وإعادة تشكيل الذاكرة، فالتراث المادي من بيوت الحجر العتيقة، والمساجد والكنائس، والأسواق التاريخية، والمدرجات والنقوش واللقى الاثرية وغيرها، يمثل الشاهد الصامت على تعاقب الحضارات واستمرارية الوجود الإنساني على هذه الأرض، بينما يجسّد التراث غير المادي—كالأغاني الشعبية، والتطريز، والحكاية الشفوية، والدبكة—الروح الحيّة التي تنبض في تفاصيل الحياة اليومية وتحفظ القيم والعادات وأنماط العيش.

الدكتورة منى أبو حمدية
وفي السياق الفلسطيني، يتحوّل الحفاظ على هذه المكونات إلى فعل مقاومة ثقافية يومي؛ فكل ثوب مطرّز يُرتدى، وكل رقصة دبكة تُؤدى في الأعراس والمناسبات، وكل حكاية تُروى للأجيال، هو تأكيد رمزي على الاستمرارية والانتماء، ورسالة مفادها أن الهوية ليست مجرد سردية تاريخية، بل ممارسة اجتماعية متجددة، كما أن هذا التراث يعزز التماسك المجتمعي، ويغرس في الأجيال الناشئة شعورا عميقا بالجذور، ويمنح المجتمع أدوات معنوية للصمود في ظل التحديات السياسية والثقافية.
وقد اكتسبت عناصر من هذا التراث اعترافاً دولياً، الأمر الذي منح الهوية الثقافية الفلسطينية بعدا عالميا ورسّخ حضورها في الوعي الإنساني، فقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة فن التطريز الفلسطيني ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي، كما أدرجت الدبكة الفلسطينية بوصفها تعبيرا فنيا جماعياً يعكس روح المشاركة والتكافل الاجتماعي، ويجسّد الذاكرة الشعبية في إيقاع الحركة والإنشاد، أما على مستوى التراث المادي، فقد حظيت مواقع أثرية فلسطينية باعتراف عالمي بإدراجها على قائمة التراث العالمي، من أبرزها:
• مدينة القدس القديمة وأسوارها، بما تحمله من قيمة دينية وتاريخية وإنسانية استثنائية.
• كنيسة المهد ومسار الحجاج، التي تجسّد تقاليد دينية عريقة ومستمرة عبر القرون.
• المدرجات الزراعية في بتير، بوصفها نموذجا حياً للتراث الزراعي ونظام إدارة المياه التقليدي.
• بلدة الخليل القديمة والحرم الإبراهيمي، التي تمثل مركزاً حضارياً وتاريخياً متواصلًا منذ آلاف السنين.
• تل السلطان، أحد أقدم مواقع الاستيطان البشري في العالم.

الدكتورة منى أبو حمدية
وإن إدراج هذه المواقع والعناصر التراثية ضمن قوائم التراث العالمي لا يقتصر على الاعتراف بقيمتها التاريخية أو الجمالية، بل يحمل دلالة سياسية وثقافية عميقة؛ إذ يرسّخ الرواية الثقافية في إطار قانوني دولي، ويؤكد أن التراث الفلسطيني جزء أصيل من التراث الإنساني. وهكذا يصبح التراث- بماديه وغير ماديه- ليس مجرد بقايا من الماضي، بل قوة ناعمة فاعلة، تحفظ الذاكرة، وتغذّي الهوية، وتمنح المجتمع القدرة على الاستمرار بثبات وثقة عبر الزمن.
كيف تقيمين دور المؤسسات الأكاديمية الدولية في التعامل مع السردية التاريخية للصراع الفلسطيني، وهل هناك انحياز في إنتاج المعرفة؟
تلعب المؤسسات الأكاديمية الدولية دورا مركزيا في تشكيل المعرفة التاريخية، فهي التي تنتج المناهج وتحدد أولويات البحث وتموّل المشاريع العلمية، وفي هذا السياق، يظهر أحيانا تفاوت في المقاربات؛ فبعض المؤسسات تعتمد معايير علمية نقدية تسعى إلى قراءة متعددة الأصوات، بينما تميل مؤسسات أخرى إلى تبنّي سرديات تقليدية أو سياسية تؤثر في تفسير النتائج الأثرية والتاريخية، ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة اتساعا في النقاش الأكاديمي حول أخلاقيات البحث في مناطق النزاع، وظهور مبادرات علمية تدعو إلى مراجعة المناهج الاستعمارية في علم الآثار، وتعزيز الشراكات مع الباحثين المحليين، بما يفتح المجال أمام إنتاج معرفة أكثر توازناً وعدالة.
ما تأثير الاعتداءات المتكررة على المواقع الأثرية والدينية في فلسطين على الذاكرة الجمعية والهوية التاريخية للشعب الفلسطيني؟
حين يتعرض موقع أثري أو ديني للتخريب أو الإهمال بسبب قيود الاحتلال، فإن الضرر لا يصيب الحجارة وحدها، بل يمتد إلى الذاكرة التي تختزنها تلك الحجارة. فالموقع الأثري هو سجلّ جماعي للوجود، وكل اعتداء عليه يُشعر المجتمع بأن جزءاً من تاريخه يتعرض للتهديد. وتتضاعف هذه الآثار عندما تمس المواقع ذات الرمزية الدينية أو الوطنية، مثل المسجد الأقصى أو الحرم الإبراهيمي، حيث يرتبط المكان بالهوية والذاكرة والطقوس اليومية.
كما يؤدي تكرار هذه الاعتداءات إلى تعزيز شعور الحذر والتمسك بالمكان، فتتحول زيارة الموقع أو ترميمه إلى فعل مقاومة ثقافية، وإلى رسالة مفادها أن الذاكرة لا تُمحى بسهولة، وأن التاريخ لا يُعاد كتابته بقرار إداري أو إجراء ميداني.
وتعرّضت المواقع الأثرية في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، ولا سيما في فترات التصعيد العسكري، لأضرار جسيمة شملت التدمير الكلي أو الجزئي لاكثر من ٢٢٦ من المواقع التاريخية، من بينها مواقع تعود إلى عصور متعددة، مثل موقع دير القديس هيلاريون، وميناء أنثيدون الأثري، إضافة إلى أحياء تاريخية ومساجد وكنائس وأسواق قديمة. وقد أدت هذه الاعتداءات إلى فقدان أجزاء مهمة من الطبقات الأثرية، وتشويه السياق التاريخي للمواقع، وتعطيل أعمال التنقيب والترميم، فضلاً عن تهديد إمكانية نقل المعرفة التاريخية للأجيال القادمة.
ويُقدَّر حجم الأضرار بأنه واسع النطاق، إذ طالت الاعتداءات مواقع مصنفة ضمن قوائم التراث الثقافي ذات القيمة العالمية، ما جعل المؤسسات الثقافية الدولية تحذّر من خطر اندثار مكوّنات أساسية من التراث الفلسطيني في غزة. كما أن تكرار الاستهداف يفاقم من صعوبة توثيق المواقع وحمايتها، ويؤدي إلى تسارع فقدان الشواهد المادية التي تشكّل دليلاً علمياً على تعاقب الحضارات واستمرارية الوجود الإنساني في هذه المنطقة، وبذلك، فإن الاعتداء على آثار غزة لا يمثّل خسارة محلية فحسب، بل يُعدّ تهديداً مباشرا لذاكرة إنسانية مشتركة، وجزءاً من عملية استنزاف للتراث الثقافي الذي يشكّل أحد أعمدة الصمود الثقافي والهوية الوطنية الفلسطينية.
كيف يمكن للبحث الأثري أن يسهم في دعم الحقوق السياسية والقانونية للفلسطينيين على المستوى الدولي؟
يسهم البحث الأثري في المجال القانوني من خلال توفير أدلة مادية اثرية موثقة يمكن استخدامها في المحافل الدولية لإثبات الوجود التاريخي والحقوق المرتبطة بالأرض والممتلكات الثقافية. فالشواهد الاثرية المادية والخرائط القديمة، والسجلات الأثرية، وتقارير الترميم، والنقوش جميعها تُعد وثائق قانونية يمكن الاستناد إليها في قضايا حماية التراث أو المطالبة بإعادته، كما أن التعاون مع هيئات دولية معنية بحماية التراث، وتسجيل المواقع ضمن قوائم الحماية العالمية، يمنح هذه المواقع صفة قانونية دولية تعزز فرص الدفاع عنها. وهنا يتحول علم الآثار من حقل معرفي بحت إلى أداة دفاع ثقافي وقانوني، تسند الحق التاريخي بالحجة العلمية، وتحوّل الذاكرة إلى وثيقة معترف بها في لغة القانون الدولي.
وفي ختام هذا الحوار، يتضح أن التاريخ والآثار في السياق الفلسطيني لا يقتصران على كونهما مجالين أكاديميين، بل يشكّلان ركيزتين أساسيتين في معركة الوعي والهوية، فبين الحجارة التي تحفظ الذاكرة، والتراث الذي يتجدد في الممارسة اليومية، تتجسد رواية شعب متجذّر في أرضه رغم كل محاولات الطمس والتشويه.
كما يؤكد هذا الطرح أن المعرفة العلمية، حين تُبنى على أسس منهجية رصينة، قادرة على تجاوز السرديات السياسية المؤقتة، وتقديم حقيقة أكثر ثباتاً واستمرارية، وعليه، يبقى الاستثمار في البحث الأثري والتاريخي، وتعزيز حضورهما في الفضاء الأكاديمي والقانوني الدولي، خطوة ضرورية ليس فقط لحماية الماضي، بل لصون الحاضر وبناء مستقبل يستند إلى حقائق راسخة لا يمكن إنكارها.









