في اليوم السادس من الهدنة داخل إيران، تبدو الصورة أبعد ما تكون عن الاستقرار الحقيقي، إذ لم تتحول التهدئة إلى مسار سياسي واضح بقدر ما بقيت مجرد وقف مؤقت للتصعيد، تحكمه حسابات معقدة ومتناقضة. فبينما تتحدث بعض التقارير الدولية عن استمرار قنوات التواصل غير المباشر، تشير معطيات ميدانية إلى أن هذه الهدنة أقرب إلى “إدارة أزمة” منها إلى حل فعلي لها.
وبحسب تقارير دبلوماسية نقلتها وسائل إعلام غربية، فإن الأطراف المنخرطة في التهدئة لم تنجح حتى الآن في الاتفاق على خطوات لاحقة تضمن استدامتها، ما يجعلها عرضة للانهيار في أي لحظة. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يعكس هشاشة الوضع، ويطرح تساؤلات جدية حول جدوى التهدئة في ظل غياب أرضية تفاهم صلبة.
إيران وتفاوض تحت الضغط
رغم الحديث عن مفاوضات، إلا أن طبيعة هذه العملية تكشف أنها لا تجري في بيئة متكافئة، بل تحت وطأة ضغوط متزايدة، سواء عبر العقوبات أو التهديدات غير المباشرة. فالمسار التفاوضي لا يبدو منفصلًا عن أدوات الضغط، بل يُستخدم في كثير من الأحيان كامتداد لها، في محاولة لفرض شروط سياسية وأمنية على إيران.
ووفقًا لتحليلات نشرتها مراكز أبحاث دولية، فإن هذا النمط من “التفاوض المشروط” يضعف فرص الوصول إلى اتفاق مستدام، إذ يدفع الأطراف إلى التعامل مع العملية التفاوضية باعتبارها ساحة صراع أخرى، وليس وسيلة للحل. وهذا ما يفسر البطء الشديد في تحقيق أي اختراق حقيقي حتى الآن.
الحصار كأداة موازية
بالتوازي مع مسار التهدئة، تتصاعد مؤشرات على تشديد الحصار الاقتصادي، ما يطرح تساؤلات حول النوايا الحقيقية خلف استمرار الضغط في ظل وجود هدنة. فبدلًا من خلق مناخ يساعد على بناء الثقة، يبدو أن بعض القوى الدولية تفضل إبقاء أدوات الضغط فاعلة، وربما تكثيفها.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن القيود المفروضة على إيران لم تشهد تخفيفًا يُذكر خلال أيام الهدنة، بل إن بعض الإجراءات الجديدة دخلت حيز التنفيذ، ما يعزز الانطباع بأن التهدئة تُستخدم كغطاء لإعادة ترتيب أوراق الضغط، وليس كمدخل لحل سياسي شامل.
حسابات إقليمية معقدة
لا يمكن فصل ما يحدث عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل مصالح قوى متعددة، لكل منها حساباته الخاصة. فالهدنة في إيران لا ترتبط فقط بالداخل الإيراني، بل تمتد تأثيراتها إلى ملفات أخرى في المنطقة، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وبحسب مراقبين، فإن بعض الأطراف الإقليمية تنظر إلى هذه الهدنة بعين الحذر، خشية أن تتحول إلى فرصة لإعادة تموضع استراتيجي، بينما يرى آخرون أنها مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من التصعيد. هذا التباين في التقديرات يزيد من هشاشة التهدئة ويجعل مستقبلها مفتوحًا على عدة سيناريوهات.
سيناريوهات مفتوحة
في ظل المعطيات الحالية، تبدو كل الاحتمالات قائمة، بدءًا من تمديد الهدنة بشكل هش، مرورًا بانهيار تدريجي نتيجة تراكم الضغوط، وصولًا إلى انفجار مفاجئ يعيد المشهد إلى نقطة الصفر. العامل الحاسم في تحديد المسار سيكون قدرة الأطراف على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الحل.
لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على حدوث هذا التحول، ما يجعل الهدنة أقرب إلى “فاصل زمني” في صراع مستمر، وليس بداية لمرحلة جديدة. ومع استمرار التناقض بين التفاوض والحصار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تصمد التهدئة، أم أن الانفجار بات مسألة وقت؟










