في ظل حالة من الترقب والحذر التي تسيطر على المشهد الميداني في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي ممارساتها العدوانية الممنهجة ضد المدنيين العزل، ضاربة عرض الحائط بكافة التفاهمات والاتفاقيات المتعلقة بوقف إطلاق النار.
ففي صباح اليوم الإثنين، سجلت المصادر الميدانية والطبية اعتداءات جديدة استهدفت المواطنين الفلسطينيين في المناطق الشرقية لمدينة غزة، وتحديداً في حيي الشجاعية والزيتون اللذين شهدا خلال الأشهر الماضية دماراً هائلاً.
هذا التصعيد الجديد يأتي ليؤكد أن الاحتلال لا يزال ينتهج سياسة "القتل البطيء" واستهداف مقومات الحياة، حيث فتحت آليات الاحتلال وقناصته نيران أسلحتهم الرشاشة باتجاه الفلسطينيين الذين حاولوا تفقد منازلهم أو التحرك في المناطق الحدودية، مما أسفر عن سقوط جرحى جدد ينضمون إلى قائمة طويلة من ضحايا الغدر الإسرائيلي الذي لم يتوقف منذ أكتوبر من العام 2023.
تفاصيل الاستهداف الميداني في شرق مدينة غزة
أفادت شهادات محلية من حيي الشجاعية والزيتون بأن قوات الاحتلال المتمركزة خلف السواتر الترابية والآليات العسكرية أطلقت الرصاص الحي بشكل مباشر ومفاجئ صوب مجموعة من المواطنين.
هذا الهجوم أسفر عن إصابة فلسطينيين اثنين بجروح متفاوتة، تم نقلهما على إثرها إلى مراكز طبية قريبة لتلقي العلاج، في ظل ظروف صحية بالغة التعقيد تعيشها مشافي القطاع التي خرج معظمها عن الخدمة.
إن استهداف حيي الشجاعية والزيتون تحديداً يحمل دلالات خطيرة، كونهما يمثلان خطوط التماس الأولى، ويسعى الاحتلال من خلال هذا القنص المستمر إلى فرض منطقة عازلة "بالنار"، تمنع أصحاب الأرض من العودة إلى أحيائهم المدمرة، مما يفاقم من أزمة النزوح ويجعل من فكرة التهدئة مجرد حبر على ورق أمام فوهات البنادق الإسرائيلية التي لا تميز بين طفل وشاب ومسن.
خروقات التهدئة واستراتيجية الترهيب الجوي
لا يقتصر العدوان الإسرائيلي على إطلاق النار المباشر فحسب، بل يتجاوزه إلى حرب نفسية وعسكرية متكاملة الأركان؛ حيث رصد المواطنون تحليقاً مكثفاً وغير منقطع للطائرات المسيّرة (الاستطلاعية) في سماء مدينة غزة وعلى ارتفاعات منخفضة.
هذا التحليق يهدف بالأساس إلى جمع المعلومات الاستخباراتية وترهيب السكان ومنع أي تحركات مدنية طبيعية، وهو ما يمثل خرقاً صريحاً لاتفاقيات وقف إطلاق النار التي يفترض أن تمنح المدنيين مساحة من الأمان.
إن استمرار هذه الخروقات، سواء عبر الرصاص أو القذائف المتقطعة أو التحليق العسكري، يبقي حالة التوتر في ذروتها، ويهدد بانهيار شامل لأي مساعٍ تهدف إلى تثبيت التهدئة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية لوقف هذا التغول الإسرائيلي الذي لا يجد رادعاً دولياً حقيقياً يمنعه من مواصلة استنزاف دماء الفلسطينيين.
إحصائيات مرعبة.. حصيلة الشهداء والجرحى في تصاعد
على صعيد متصل، أصدرت المصادر الطبية في قطاع غزة تحديثاً صادماً يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها العدوان الإسرائيلي المتواصل.
فقد ارتفعت حصيلة الشهداء لتصل إلى 72 ألفاً و333 شهيداً، بينما تجاوز عدد المصابين 172 ألفاً و202 مصاباً منذ السابع من أكتوبر 2023.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي قصص وحيوات عائلات أُبيدت بالكامل عن السجل المدني. وتؤكد وزارة الصحة أن هذه الحصيلة هي فقط لمن وصلوا إلى المستشفيات وتم توثيقهم، بينما يظل الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير بالنظر إلى آلاف المفقودين الذين لا يزالون تحت ركام المنازل المدمرة وفي الطرقات الوعرة التي يمنع الاحتلال الوصول إليها، مما يجعل من قطاع غزة مقبرة جماعية مفتوحة أمام سمع وبصر العالم أجمع.
مأساة المفقودين وعجز طواقم الإنقاذ
تعتبر قضية المفقودين تحت الأنقاض من أكثر الملفات إيلاماً في المشهد الغزي الحالي، حيث تقدر الطواقم الحقوقية والدفاع المدني وجود آلاف الضحايا الذين لم يتم انتشالهم بعد.
ويرجع هذا العجز إلى نقص الإمكانيات والمعدات الثقيلة التي دمرها الاحتلال أو منع إدخالها، بالإضافة إلى الاستهداف المباشر لطواقم الإنقاذ والإسعاف في حال محاولتها الاقتراب من مناطق التماس أو المباني المنهارة.
إن بقاء الجثامين تحت الأنقاض لفترات طويلة يشكل خطراً صحياً وبيئياً داهماً، فضلاً عن كونه انتهاكاً صارخاً لكرامة الإنسان وحقه في الدفن. الاحتلال يستخدم الركام كأداة ضغط سياسية وعسكرية، تاركاً العائلات المكلومة في حالة من العذاب النفسي المستمر، وهم يشاهدون منازلهم وقد تحولت إلى قبور لأحبائهم دون القدرة على الوصول إليهم.
مستقبل التهدئة في ظل الغطرسة الإسرائيلية
إن التطورات الأخيرة في حيي الشجاعية والزيتون، مقرونة بالحصيلة الدموية الكبيرة للعدوان، ترسم صورة قاتمة لمستقبل الاستقرار في المنطقة، فالاحتلال الإسرائيلي، عبر ممارساته اليومية، يثبت أنه غير معني بسلام حقيقي أو تهدئة مستدامة، بل يسعى إلى كسب الوقت لتعزيز تموضعه العسكري وتعميق المعاناة الإنسانية للفلسطينيين.
إن استمرار الصمت الدولي على هذه الخروقات يشجع الاحتلال على المضي قدماً في سياسة القنص والتهجير القسري وفي ظل غياب ضمانات دولية حقيقية تلزم الاحتلال بوقف إطلاق النار الشامل وانسحاب قواته، يبقى قطاع غزة ساحة مفتوحة لكل احتمالات التصعيد، وتبقى دماء الفلسطينيين وقوداً لمرحلة صعبة تتطلب تكاتفاً عربياً ودولياً عاجلاً لجم هذا العدوان وإنقاذ ما تبقى من الروح في جسد القطاع الجريح.










