في زوايا الزنازين المظلمة، حيث تتوقف عقارب الساعة عن الدوران ويصبح الضوء حلماً بعيد المنال، يقبع 11 أسيراً فلسطينياً في ظروف تتنافى مع أبسط معايير الإنسانية، بعد أن أمضوا أكثر من ثلاثة عقود متواصلة خلف القضبان.
هذه الثلة من المناضلين، الذين يُعرفون بـ "عمداء الأسرى"، يمثلون اليوم شاهداً حياً على عجز المنظومة الدولية وقوانين حقوق الإنسان التي تدعي حماية الفرد وصون كرامته.
وبحسب "مركز فلسطين لدراسات الأسرى"، فإن استمرار اعتقال هؤلاء الأبطال ليس مجرد إجراء عقابي، بل هو جريمة مستمرة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني من خلال تغييب رموز نضاله لأطول فترة ممكنة، في ظل تواطؤ دولي يتمثل في الصمت المطبق حيال ملف يُعد من أكثر الملفات وجعاً وخطورة في تاريخ الصراع.
أربعة عقود خلف الأسلاك: أسماء محفورة في ذاكرة القيد
تتصدر أسماء إبراهيم عبد الرازق بيادسة وأحمد علي أبو جابر قائمة الأقدمية، حيث أمضيا نحو 40 عاماً من الاعتقال منذ العام 1986، وهي مدة تفوق أعمار دول وحكومات، قضوها في تنقل دائم بين السجون والزنازين الانفرادية.
ولا يقل وجع الأسيرين محمود سالم أبو خربيش وجمعة إبراهيم آدم عن ذلك، إذ يقتربان من عامهما الثامن والثلاثين في الأسر. إن هؤلاء الرجال، الذين دخلوا السجون في ريعان شبابهم، يواجهون اليوم خريف العمر خلف الجدران الإسمنتية الباردة.
هؤلاء الأسرى الذين ينحدرون من الداخل الفلسطيني والقدس والضفة وغزة، يجسدون وحدة المصير الفلسطيني في مواجهة آلة القمع التي لا تفرق بين جغرافيا وأخرى، بل تسعى لتغييب الجميع في مقابر الأحياء التي صممها الاحتلال بعناية لتدمير النفس البشرية.
سياسة الإهمال الطبي: الموت الذي يطرق أبواب الزنازين
أوضح رياض الأشقر، مدير مركز فلسطين لدراسات الأسرى، أن المعاناة لا تتوقف عند حدود سلب الحرية، بل تمتد لتشمل سياسة "القتل الصامت" عبر الإهمال الطبي المتعمد.
فغالبية هؤلاء الأسرى الـ 11 يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة ناتجة عن ظروف الاعتقال القاسية والرطوبة العالية ونقص التغذية السليمة. إن تجاوز بعض هؤلاء الأسرى سن السبعين، مثل الأسير عبد الحليم البلبيسي وحسن سلامة وأكرم القواسمي، يضع حياتهم على المحك، خاصة مع تعنت إدارة السجون في إجراء العمليات الجراحية اللازمة أو توفير الرعاية الصحية المتخصصة.
هذا الحرمان من العلاج يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة، ويحول السجن إلى رحلة تعذيب جسدي دائمة تهدف إلى إيصال الأسير لمرحلة العجز التام قبل إطلاق سراحه، أو إخراجه جثة هامدة في كفن.
الوجع الإنساني: فقدان الأحبة خلف الجدران الصماء
خلف كل رقم من هذه السنوات الطويلة، تكمن قصة إنسانية تمزق القلوب؛ فقد فقدَ معظم هؤلاء الأسرى والديهم أو أشقاءهم أو حتى أبناءهم خلال سنوات اعتقالهم الطويلة، دون أن يُسمح لهم بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة أو المشاركة في مراسم الدفن.
هذا الحرمان العاطفي يُعد من أقسى أنواع العقوبات التي يفرضها الاحتلال، حيث يُترك الأسير ليواجه حزنه وحيداً في زنزانته، محاصراً بذكريات قديمة لم يبقَ منها سوى صور باهتة.
إن هؤلاء الأسرى ليسوا مجرد أرقام في سجلات مصلحة السجون، بل هم آباء وأبناء حُرموا من عيش حياتهم الطبيعية، وشاهدوا أعمارهم تتبخر خلف القضبان بينما العالم يتفرج دون أن يحرك ساكناً لإنهاء هذه المأساة التي تجاوزت كل حدود المنطق والصبر.
لفت المركز الانتباه إلى أن العامين الأخيرين شهدا تدهوراً غير مسبوق في أوضاع الأسرى بشكل عام، والقدامى بشكل خاص، نتيجة السياسات المتطرفة التي تتبعها حكومة الاحتلال.
فقد تصاعدت عمليات التنكيل والانتهاكات اليومية، وتم سحب الكثير من المنجزات التي حققها الأسرى عبر عقود من النضال والجوع. تشمل هذه الإجراءات تشديد القيود على الزيارات، وتقليص كميات الطعام والماء، وتكثيف عمليات الاقتحام الليلي للغرف باستخدام الكلاب البوليسية والغاز المسيل للدموع.
إن هذا التصعيد يهدف بوضوح إلى تحويل حياة الأسرى القدامى إلى جحيم لا يطاق، ومحاولة النيل من ثباتهم وصمودهم الأسطوري الذي فشلت كل سنوات الاعتقال السابقة في ثنيه أو النيل منه.
المسؤولية الدولية وضرورة التدخل الفوري
يجدد مركز فلسطين لدراسات الأسرى دعوته الملحة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان العالمية، بضرورة التحرك الفوري لإنقاذ هؤلاء الأسرى.
إن بقاء أسرى لأكثر من 30 و40 عاماً هو وصمة عار في جبين الإنسانية، واختبار حقيقي لمصداقية الشعارات الدولية التي تنادي بالعدل والحرية.
يجب الضغط على الاحتلال للإفراج الفوري عن الأسرى القدامى وكبار السن والمرضى، وضمان توفير رعاية صحية عاجلة لهم وإن هؤلاء الأبطال الذين أمضوا جلّ حياتهم في التضحية من أجل قضيتهم يستحقون أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم بين أهلهم وفي أحضان عائلاتهم، وليس في زنازين ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية.










