20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

باكستان وأوروبا والقنوات الخلفية: هل تنجح الوساطة أم تتعثر؟

برزت باكستان كفاعل محوري في إدارة مسار الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين. فقد لعبت دور الوسيط الرئيسي في استضافة مفاوضات إسلام آباد التي استمرت 21 ساعة

بقلم: شيماء مصطفى
١٤ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
19 مشاهدة
باكستان وأوروبا والقنوات الخلفية: هل تنجح الوساطة أم تتعثر؟

باكستان وأوروبا والقنوات الخلفية: هل تنجح الوساطة أم تتعثر؟

برزت باكستان كفاعل محوري في إدارة مسار الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين. فقد لعبت دور الوسيط الرئيسي في استضافة مفاوضات إسلام آباد التي استمرت 21 ساعة، وشكّلت أعلى مستوى من الاتصال المباشر بين الجانبين منذ عقود. هذا الدور لم يكن طارئاً، بل جاء نتيجة تحركات دبلوماسية مكثفة سبقت المفاوضات وأسهمت في تثبيت وقف إطلاق النار المؤقت.

اعتمدت باكستان على أدوات متعددة في الوساطة، من بينها القنوات المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى نقل الرسائل بين الوفود خلال مراحل التفاوض المختلفة. وقد سمح هذا النهج بخلق مساحة للحوار حتى في ظل انعدام الثقة، حيث استمرت اللقاءات رغم التباينات الجوهرية في الملفات الأساسية. كما أن وجود قيادة سياسية وعسكرية منخرطة في الوساطة عزز من قدرة إسلام آباد على التأثير في مسار المفاوضات.

ورغم فشل الجولة الأولى في تحقيق اختراق، فإن باكستان لا تزال تدفع باتجاه استئناف الحوار، معتبرة أن العملية التفاوضية لم تنتهِ بعد. وتؤكد التصريحات الرسمية أن الأجواء العامة لا تزال "إيجابية"، وأن فرص التقدم قائمة في الجولات المقبلة. هذا الإصرار يعكس إدراكاً بأن الوساطة ليست حدثاً لحظياً، بل مسار طويل يتطلب نفساً دبلوماسياً ممتداً.

الدول الأوروبية والوساطة

تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور موازن بين واشنطن وطهران، خصوصاً في ظل تباين المواقف داخل المعسكر الغربي نفسه. فقد أبدت عدة دول أوروبية تحفظها على التصعيد العسكري، ودعت إلى حلول دبلوماسية تضمن استقرار الأسواق والطاقة. هذا التوجه يمنح أوروبا مساحة للتحرك كوسيط غير مباشر يخفف من حدة الاستقطاب.

في المقابل، تحاول إيران استثمار هذا التباين عبر الانفتاح على العواصم الأوروبية، بهدف الضغط على الولايات المتحدة وتخفيف شروطها التفاوضية. وتشير التحركات الإيرانية إلى رغبة في خلق توازن دولي جديد داخل مسار المفاوضات، بما يسمح بتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية. كما أن طرح أفكار مثل إدارة مضيق هرمز أو تخفيف القيود النووية جزئياً يعكس محاولة لجذب دعم أوروبي.

لكن الدور الأوروبي يظل محدوداً بحدود العلاقة مع واشنطن، حيث تجد الدول الأوروبية نفسها بين خيارين صعبين: دعم الحليف الأمريكي أو الدفع نحو تسوية مستقلة. هذا التردد يحد من قدرتها على فرض حلول حاسمة، لكنه في الوقت ذاته يجعلها قناة ضغط إضافية في مسار التفاوض.

القنوات الخلفية

تلعب القنوات الخلفية دوراً حاسماً في الوساطة حيث تعمل على إبقاء التواصل قائماً رغم تعثر المفاوضات الرسمية. فبعد انتهاء محادثات إسلام آباد دون اتفاق، استمرت الرسائل المتبادلة بين الجانبين عبر وسطاء، ما يعكس رغبة مشتركة في عدم قطع خطوط الاتصال بالكامل. هذه القنوات تتيح مناقشة القضايا الحساسة بعيداً عن الضغوط الإعلامية والسياسية.

وتتميز هذه القنوات بمرونة أكبر مقارنة بالمفاوضات العلنية، حيث يمكن للطرفين اختبار الأفكار وتقديم تنازلات جزئية دون التزامات رسمية. كما أنها تسمح بإدارة الأزمات بشكل تدريجي، خصوصاً في ظل الملفات المعقدة مثل البرنامج النووي ومضيق هرمز والعقوبات. لذلك، غالباً ما تكون هذه القنوات هي الأساس الحقيقي لأي اتفاق محتمل.

ورغم أهميتها، فإن القنوات الخلفية لا يمكن أن تحل محل الاتفاقات الرسمية، بل تمهّد لها فقط. فهي تظل رهينة الإرادة السياسية للطرفين، وقد تنهار سريعاً إذا تصاعد التوتر الميداني. ومع ذلك، فإن استمرارها بعد فشل المفاوضات يشير إلى أن خيار الدبلوماسية لا يزال قائماً، حتى في ذروة التصعيد.

تعقيد المسار

تعكس تعددية الوسطاء وتداخل الأدوار مدى تعقيد المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. فوجود باكستان كوسيط رئيسي، وأوروبا كفاعل داعم، إلى جانب القنوات الخلفية، يخلق شبكة معقدة من التفاعلات يصعب التحكم بها. هذا التعقيد يزيد من فرص الحل، لكنه في الوقت ذاته يبطئ الوصول إليه.

كما أن تضارب المصالح بين الأطراف المختلفة يضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث تسعى كل جهة إلى تحقيق مكاسبها الخاصة. الولايات المتحدة تركز على الملف النووي، بينما تضع إيران قضايا السيادة والعقوبات في مقدمة أولوياتها. أما الوسطاء، فيحاولون تحقيق توازن دقيق بين هذه المطالب المتعارضة.

في النهاية، يبدو أن نجاح الوساطة لا يعتمد فقط على تعدد القنوات، بل على قدرة هذه القنوات على الالتقاء في نقطة مشتركة. وحتى الآن، لا تزال هذه النقطة بعيدة، لكن استمرار الجهود الدبلوماسية يشير إلى أن المسار لم يُغلق بعد، وأن الحل السياسي لا يزال خياراً قائماً رغم كل التعقيدات.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال