20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

في حوار خاص لـ 180 تحقيقات.. محمد شاهين: السجون الإسرائيلية تحولت إلى "مسالخ بشرية" بعد السابع من أكتوبر

في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، وتحوّل السجون إلى ساحات مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الجدران إلى عمق المجتمع الفلسطيني

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
١٥ أبريل ٢٠٢٦
16 دقائق قراءة
35 مشاهدة
محمد شاهين

محمد شاهين

في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، وتحوّل السجون إلى ساحات مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الجدران إلى عمق المجتمع الفلسطيني، تبرز قضية الأسرى بوصفها واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، لما تحمله من أبعاد إنسانية ونفسية وسياسية متشابكة. 

فمعاناة الأسرى لا تتوقف عند حدود الزنازين، بل تمتد لتطال عائلاتهم التي تخوض معركة يومية مع الغياب والقهر والتحديات الاقتصادية، في مواجهة سياسات ممنهجة تستهدف كسر الإرادة الجماعية.

في هذا السياق، كشف المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين، في حوار خاص مع موقع 180 تحقيقات، عن تفاصيل الحياة تحت وطأة الاعتقال، وأشكال التعذيب الجسدي والنفسي، وتأثيراتها الممتدة على النسيج الاجتماعي الفلسطيني، إلى جانب قراءة في دلالات هذه السياسات ضمن استراتيجية أوسع تستهدف الإنسان الفلسطيني في وجوده وهويته وصموده.

ففي المشهد الفلسطيني حيث تختلط دماء الشهادة بقيود الأسر تصبح الحكايات اليومية لعائلات الأسرى وثيقة الصمود الأكثر بلاغة في مواجهة آلة الاحتلال، إنها ليست مجرد معاناة إنسانية عابرة بل هي فصل مركزي في رواية المقاومة الممتدة التي تعيد إنتاج ذاتها من رحم العذاب القسري والعزل الأمني، هذه ليست مأساة هامشية بل هي معركة صامتة تخاض في عمق البيوت التي تتصدى لاستراتيجية أمنية تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني.

وإليكم نص الحوار:

كيف تعيش عائلات الأسرى تفاصيل الغياب اليومي؟

الغياب هنا ليس فراغا في المكان بل هو كيان ثقيل يسكن تفاصيل المنزل ويحتل الزوايا والمقاعد الفارغة تعيش العائلة تحت وطأة "العزل الكامل" الذي تفرضه إجراءات الاحتلال مما يجعل الغياب جرحاً مزمناً يتجدد كل صباح مع رائحة القهوة التي لا يشاركهم إياها الأب أو الابن المعتقل في بيوت أنهكها الغياب الطويل لأبنائها تتحول المعاناة إلى صراع يومي من أجل البقاء خصوصا بعد أن قطعت السلطة الفلسطينية مخصصات الأسرى لتشارك أكثر من 40 ألف أسرة فلسطينية نفس دائرة المعاناة بلا مصدر دخل يواجه مصاعب الحياة. أما بالنسبة للأسرى في الداخل فإن العزل ليس مجرد انقطاع للزيارة بل هو استراتيجية عقاب جماعي تهدف إلى تجريدهم من أي أمل أو اتصال إنساني. لقد تحولت السجون بعد السابع من أكتوبر إلى ساحات انتقام مغلقةومسالخ تعذيب تعكس عقلية الاحتلال التي تسعى إلى إحكام العزلة وكسر الإرادة والهدم النفسي للأسرى من خلال تعرضهم للاغتصاب والتكسير والحرمان من النوم والتهديدات بقتل اولادهم وقصف عائلاتهم وتدمير بيوتهم.

ما التأثير النفسي على أطفال الأسرى؟

أطفال الأسرى هم الضحايا الصامتون الذين تختزن ذاكرتهم المبكرة مشاهد الاقتحام الليلي وصوت تكسير الأبواب والاعتقال على الحواجز وانتزاعهم من احبتهم ثم ذلك الغياب المبهم الذي لا تفسره سوى عبارات مثل "بابا محبوس".

الطفل سامي الذي لم يتجاوز الرابعة يلتزم الصمت في البيت لكنه يبوح في الروضة بكلمات مرسومة بالخوف قائلا "أنا أبوي محبوس أخذوه اليهود وبيضربوه" مما يعكس حفرا عميقا في وعيه المبكر للوجود.

أما الطفل سليمان الذي ولد ووالده في سجن نفحة فإن حقه الإنساني الأول في أن يحمله والده بين ذراعيه قد صودر، إن منع الأب من رؤية صورة طفله حديث الولادة خلال جلسة محاكمة عن بعد كما حدث مع الأسير رافع غيث ليس مجرد إجراء بيروقراطي بل هو عنف نفسي مقصود يهدف إلى قتل معنى الأبوة في مهدها.

يتوزع الأسرى المحررون على مستويات نفسية صعبة بعضهم يعاني من أعراض ذهانية نتيجة التعرض للعنف المفرط والتعذيب والاغتصاب والتجويع والحرمان من النوم مما يؤكد أن السجن يترك ندوبا عميقة في النفس البشرية تمتد لتطال كل من حوله.

كيف تصف لحظات الزيارة أو الحرمان منها؟

قبل السابع من اكتوبر كانت لحظة الزيارة قبل أن تمنع كانت رحلة عذاب من نوع آخر وكانت تخضع لبروتوكول أمني إذلالي لكنها كانت متنفسا إنسانيا يتيح للعائلات أن تلمح الابن أو الأب من خلف زجاج عازل.

أما اليوم بعد ٧اكتوبر فإن "سياسة الإخفاء القسري وحرمان العائلات من معرفة المصير" قد حولت هذه اللحظات النادرة إلى سراب، يمنع آلاف الأسرى من زيارة ذويهم منذ ما يقرب من عامين بقرار أمني من مصلحة السجون الإسرائيلية مما يعني أن أطفالا كثرا ولدوا وكبروا وهم لا يعرفون من والدهم سوى اسمه وبعض الصور القديمة، هذا الحرمان ليس مجرد عقاب للأسير بل هو حصار نفسي مفروض على العائلة بأكملها يجردهم من حق إنساني أساسي، الحرمان من الزيارة أداة ضغط تستخدمها منظومة السجون لفرض مزيد من الترويض الأمني على الحركة الأسيرة مما يحول الاحتجاز إلى حالة من الموت الاجتماعي المقصود وضمن اليات الهدم النفسي الذي تمارسه إدارة السجون الإسرائيلية وفق منهجية مدروسة ومنظمة يقودها خبراء عسكريين في العمليات النفسية بدرجات علمية عليا ورتب عسكرية من القيادة العلياو جنرالات الصف الأول و يشرف ضباط القيادة العملياتية على جرائمهم ضد الاسرى الفلسطينيين.

ما أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه عائلات الأسرى؟

اقتصاديا تعيش هذه العائلات حرب بقاء حقيقية. بعد أن فقدت العائلة معيلها الرئيسي بالاعتقال واجهت تحديا مضاعفا مع قرار السلطة الفلسطينية بوقف صرف رواتب الأسرى وتحويلها إلى نظام مساعدات اجتماعية مشروطة عبر مؤسسة تمكين مما أثار موجة غضب واستنكار واسعة في الشارع الفلسطيني. الحال الذي وصلت إليه عائلة سليط ليس استثناء فهم يقبعون في خيمة بعد أن نزحوا قسرا جراء العمليات العسكرية في المخيمات في حين يقبع ابنهم الثالث في السجن بانتظار حكم مؤبد.

إنهم بذلك وقعوا بين مطرقة سياسات الاحتلال التي تدمر البيوت وسندان السياسات الداخلية التي تجفف منابع الصمود المادي، وفي قطاع غزة فإن التحدي الاقتصادي يأخذ أبعادا كارثية في ظل الحصار الخانق وتدمير البنية التحتية مما يجعل العمل مغامرة والعيش تحديا لا ينتهي. لقد أجبروا على التقشف والحصار الكثير من العائلات على مواجهة صعوبات جسيمة في تأمين أبسط الاحتياجات الأساسية كالغذاء والدواء والمأوي في ظل النزوح المتكرر.

كيف تحافظ العائلات على تماسكها رغم طول فترة الاعتقال؟

رغم كل هذا تبقى العائلة الفلسطينية هي صمام الأمان الذي يمنع الانهيار الكامل، تماسكها لا يأتي من فراغ بل هو نتاج إرث نضالي طويل وآليات تكيف معقدة ترتكز على "التضامن والإسناد" داخل الأسرة الممتدة ،الأم التي تحملت عبء الأسر لسنوات أصبحت أيقونة للصمود والصلابة تربي أطفالا على أن أباهم لم يغب هارباً أو خائفاً بل هو في ساحات الوغى والنضال خلف القضبان وفي زمن القهر تتحول البيوت إلى خلايا مقاومة من نوع آخر تقوم على إعادة إنتاج القيم الوطنية وحماية الأبناء من الانهيار النفسي بدعم من مبادرات شعبية ووطنية وجهود التنمية الاجتماعية.

هل هناك قصص إنسانية مؤثرة تعكس معاناة أو صمود هذه العائلات؟

الحديث عن القصص يطول لكنها تبقى الشاهد الحي على حجم البطولة المغيبة. هناك الأسير الذي يخرج من سجن نفحة الصحراوي ليكتشف أن والده وأخاه قد استشهدا خلال فترة اعتقاله فيعيش صدمة الحرية الممزوجة بالفقد المباغت. وهناك أسرى محررون من غزة يصلون إلى ديارهم وهم لا يحملون من ذاكرة السجن إلا المرض والإعاقات الدائمة التي أنهكت أجسادهم جراء التعذيب والتجويع الممنهج. وكم من أب خرج بعد سنوات طويلة ليرى أبناءه وقد صاروا رجالا ونساء بينما ما زال يحمل صورتهم في ذاكرته كأطفال صغار. إن هذه القصص ليست مجرد سرد لحظي بل هي المادة الخام التي تتشكل منها الذاكرة الجمعية الفلسطينية. إن صمود هذه العائلات هو رد على نظرية الاحتلال القائمة على كسر الإرادة إذ كلما حاولت دولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية أن تنتزع الأمل من الصدور خرجت زوجات الأسرى لتعلن للعالم أن "قضية الأسرى ستبقى حاضرة في الوعي العالمي حتى نيلهم حريتهم كاملة غير منقوصة".

إن المعركة التي تخوضها عائلات الأسرى اليوم هي معركة وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هم يواجهون منظومة أمنية معقدة ومتكاملة تسعى لتحطيم البنية الاجتماعية كمدخل لتحطيم الإرادة السياسية. لكن التجربة أثبتت أن هذه العائلات تمكنت من تحويل جراحاتها إلى طاقة صلبة لا تلين تنجب الأجيال تلو الأجيال لتظل قضية الأسرى والتحرير هي البوصلة التي لا تحيد عن مسارها حتى دحر الاحتلال ونيل الحرية التي تليق بتضحيات هذا الشعب العظيم.

قصة الأسير محمد زكي البكري من خان يونس افرج عنه بعد أن أكل الحديد أكلًا وشرب الغمّ شربًا خرج يظن أن الدنيا سترحب به فإذا بها تبكيه بأفدح رزية زوجته آلاء تلك الحنون الودود التي كانت له سترًا وأُنسًا في غيابه ارتقت إلى السماء شهيدة ولم يبقَ له من لقياها سوى طيف الذكرى ،كذلك استشهاد اخيه محمود خلال الحرب اضاف آلام الى آلامه، آه من هذه الدنيا تعتق الأسير من السجان ثم تسجنه في نيران الفقد.

رحلت زوجته قبل أن يرحل عنها وماتت شهيدة قبل أن يطلق أسيرًا. فبكى محمد حتى ظنّ الناس أن السماء تمطر دمعًا وقال أحببتك وسأظل إلى لقاء الجنة فما أقسى الحرية حين تأتي في أثواب المآتم.

ما أبرز أساليب التحقيق التي تعرضت لها خلال الاعتقال؟

 لم تعد أقبية التحقيق لدى جهاز الشاباك مجرد غرف لانتزاع الاعتراف بل تحولت إلى ما يشبه مسارح للانتقام السياسي والعسكري يبدأ مسلسل الإذلال الممنهج منذ اللحظة الأولى للاعتقال حيث يتعرض المعتقل لضرب مبرح بالعصي والأيدي والأعقاب وسط صيحات استهزاء وتشفٍ ثم تأتي المرحلة الأشد قسوة داخل معتقلات تحولت إلى شبكة معسكرات تعذيب كما وصفها تقرير بتسيلم بعنوان جهنم على الأرض هناك يجري تعليق الجسد بأوضاع مؤلمة لساعات طوال وحرمان ممنهج من النوم وصعق بالكهرباء واستخدام الكلاب البوليسية كأداة للرعب والإذلال. والممارسة التي تهز الضمير الإنساني هي التعذيب الجنسي والاعتداءات الجسدية التي وثقها تسريب مصور من داخل معسكر سدي تيمان في نوفمبر من العام الماضي وأظهر عناصر أمن الاحتلال وهم يغتصبون أسيرا أعزل في جريمة حرب مكتملة الأركان وليست حادثة فردية بل هي كما أكدت مؤسسة تضامن سياق من التعذيب الممنهج والانتهاكات الجنسية المبرمجة منذ السابع من أكتوبر.

 كيف تمارس الضغوط النفسية على الأسرى خلال التحقيق؟

تمتلك أجهزة الأمن في دولة الاحتلال ترسانة نفسية معقدة لا تقل توحشا عن أدوات التعذيب الجسدي إنها حرب أعصاب شاملة تدار في غرف مغلقة بعيدا عن عيون العالم المحققون لا يكتفون بتهديد المعتقل بالقتل أو السجن المؤبد بل يتجاوزون ذلك إلى استخدام ورقة الأسرة كورقة ضغط قاتلة عبر التهديد العلني باعتقال الأب أو الأم أو هدم المنزل فوق رؤوس الأطفال كرسالة عقاب جماعي للجسد الاجتماعي الفلسطيني. ومن أشرس هذه الأساليب ما بات يعرف بالإعدام المعنوي حيث يتم إجبار المعتقل على الاستماع إلى أنباء ملفقة عن استشهاد أفراد أسرته تحت القصف أو اغتصاب قريباته في لحظات تهدف إلى تحطيم الروح المعنوية بالكامل. كما أن سياسة التجهيل المطلق بقطع جميع قنوات الاتصال مع العالم الخارجي ومعرفة مصير الأهل والأحباب تجعل من جدران الزنزانة قبرا للمشاعر قبل أن تكون قيدا للجسد.

 هل هناك أنماط محددة من التعذيب تستخدم بشكل متكرر؟

نعم لقد باتت هناك بروتوكولات ثابتة للتنكيل بالجسد الفلسطيني تحولت مع الوقت إلى عقيدة أمنية راسخة في مؤسسة السجون الاحتلالية فالتجويع المتعمد هو سيد الموقف حيث أكد تقرير مؤسسة الضمير أن جميع الأسرى تعرضوا لخفض حاد في كمية ونوعية الغذاء مما أدى إلى تدهور صحي كارثي وفقد عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم في أشهر معدودة. إلى جانبه يأتي التعصيب والتكبيل لفترات طويلة قد تتجاوز السبعة أشهر مما يسبب تلفا عصبيا دائما في الأطراف. وأما أسلوب التكديس في الزنازين فهو عقيدة القمع الجمعي حيث تجبر أعداد تفوق العشرة معتقلين على العيش في غرفة لا تتجاوز ثلاثة أمتار مع حرمان من أدنى شروط التهوية والتدفئة فترتجف العظام من البرد القارس في الشتاء وتذوب الأجساد عرقا في صيف النقب الملتهب. هذه الأنماط ليست حوادث عرضية بل هي كما أثبتت التقارير الأممية والإسرائيلية ذاتها سياسة دولة فعلية تستهدف الإخضاع والتدمير المنهجي وازدادت مع وجود وزير الامن الصهيوني ايتمار بن غفير الذي اصدر توجيهات بتقليص كميات الطعام للاسري وتقليص حاد للدواء واخيرا ساهم بشكل اساسي مع حزبه باصدار قانون إعدام الأسرى الاجرامي المخالف للقانون الدولي والقانون الانساني والمواثيق الدولية.

كيف تؤثر سياسة العزل الانفرادي على الحالة النفسية للأسير؟

العزل الانفرادي هو الوجه الأكثر خبثا في سياسة القهر إنه موت بطيء على قيد الحياة لا تسمع فيه إلا صدى أنفاسك ولا ترى إلا بياض الجدران الأربعة التي تلتهم الروح شيئا فشيئا. تحذر هيئة شؤون الأسرى من أن هذه السياسة التي تصاعدت بشكل خطر لا سيما في سجن سيدي تيمان ويمكننا تسميته "بمسلخ الموت" تهدف إلى تفكيك شخصية المعتقل وتحويله إلى كائن شبه ميت يتوق إلى أي صوت بشري ولو كان سبابا من سجان. التأثيرات النفسية للعزل كارثية فهو يسبب كما أثبتت الدراسات النفسية هلوسات سمعية وبصرية واكتئابا حادا وفقدانا للإحساس بالزمان والمكان مما يترك ندوبا عميقة تطارد المحرر لسنوات بعد خروجه حيث تتحول سنوات العزلة إلى أشباح نفسية لا تفارق العقل مهما طال به الزمن.

ما أشكال العقاب الجماعي التي تفرض داخل السجون؟

العقاب الجماعي هو السمة الغالبة للعقيدة العقابية الاحتلالية فهو ينتقل بالجريمة من الفرد إلى المجموع في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية. من أقذر صوره التعطيش الممنهج حيث كشفت تقارير رسمية إسرائيلية بلسان هيئة الدفاع العام أن إدارة السجون تعمدت حرمان الأسرى الفلسطينيين من مياه الشرب لساعات طويلة تصل إلى نصف النهار كعقاب جماعي خلال حرب الإبادة على غزة. ومن أبرز صوره أيضا عمليات الاقتحام والتنكيل الجماعي التي تحدث دون أي ذريعة حيث اقتحمت قوات القمع في سجن رامون غرف الأسرى في ثلاث حملات متتالية خلال شهر واحد واعتدت على الجميع بالضرب المبرح دون استثناء في ظل صمت دولي مطبق. هذا إلى جانب الحرمان من الملابس الشتوية والتدفئة في عز البرد وحرمان من أبسط مقومات الحياة في استراتيجية واضحة المعالم لتحويل السجون إلى معسكرات للموت البطيء.

 هل تم توثيق حالات تعذيب حديثة يمكن الحديث عنها؟

الدلائل والبراهين لا تعد ولا تحصى في هذه الأيام فشهادات المحررين أضحت كافية لإدانة دولة الاحتلال أمام محكمة الضمير العالمي. لقد أفاد تقرير بتسيلم الأخير في يناير من هذا العام باستشهاد أربعة وثمانين أسيرا فلسطينيا تحت التعذيب والإهمال الطبي منذ بدء العدوان حتى نهاية عام 2025 بينما تتحدث منظمات أخرى عن أربعة وتسعين شهيدا إضافة إلى ستة شهداء قضوا تحت التعذيب المباشر أثناء التحقيق لدى الشاباك. وهناك الشهادات الحية لأولئك المحررين الذين وصلوا إلى غزة وقد فقدوا ثلث أوزانهم وتعرضوا لكسور في الظهر وأمراض جلدية متعفنة جراء الإهمال الطبي المتعمد.

وأما الحالة التي هزت كل موازين الصمت فكانت جريمة سدي تيمان الموثقة بالفيديو في نوفمبر 2025 حيث ظهر أسير فلسطيني يتعرض لاعتداء جنسي وحشي على أيدي جنود الاحتلال في مشهد لم يعد بالإمكان نفيه أو التغطية عليه. هذه الوقائع تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا أمام نظام تعذيب مؤسساتي هدفه المعلن ليس الحصول على معلومات بل هو الانتقام الدموي وتكسير إرادة شعب بأكمله.

في المحصلة، تكشف شهادة المحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن قضية الأسرى الفلسطينيين لم تعد مجرد ملف حقوقي أو إنساني، بل تحولت إلى عنوان مركزي في معركة الإرادة والوجود. فداخل الزنازين تُمارس أقسى أشكال القهر، وخارجها تخوض العائلات معركة صمود لا تقل قسوة، في مواجهة منظومة تستهدف الإنسان الفلسطيني في كرامته وتماسكه الاجتماعي.

ورغم هذا الواقع المثقل بالألم، تثبت التجربة أن إرادة الصمود لا تزال أقوى من محاولات الكسر، وأن العائلات الفلسطينية نجحت في تحويل معاناتها إلى طاقة مقاومة تحفظ الذاكرة وتعيد إنتاج الأمل. لتبقى قضية الأسرى، كما يؤكد شاهين، حاضرة في الوعي الجمعي الفلسطيني والضمير الإنساني، بوصفها قضية حرية وعدالة لن تُطوى صفحتها إلا بزوال الاحتلال ونيل الأسرى حريتهم كاملة.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال