20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

اقتصاد غزة.. كيف تحول القطاع من الهشاشة المزمنة إلى الانهيار الشامل في 2026؟ (خاص)

لم تعد الحرب المستمرة على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية عابرة تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تحولت في عام 2026 إلى حرب شاملة وممنهجة

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
١٦ أبريل ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
25 مشاهدة
الأستاذ الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله

الأستاذ الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله

لم تعد الحرب المستمرة على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية عابرة تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تحولت في عام 2026 إلى حرب شاملة وممنهجة استهدفت بشكل مباشر كافة مقومات الاقتصاد وسبل الحياة اليومية للمواطنين، مما أدخل القطاع في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخه الحديث على الإطلاق، فخلال أشهر قليلة من التصعيد العنيف، انهارت القطاعات الإنتاجية الرئيسية وتعطلت الأسواق المحلية تماماً، وارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات فلكية غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله، المحاضر في جامعة الأزهر وعضو الأمانة العامة في اتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن هذا الواقع أدى إلى انتقال الاقتصاد الغزي من حالة الهشاشة المزمنة الناتجة عن حصار طويل، إلى حالة "الاقتصاد المنكوب" الذي يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية الإغاثية، في ظل غياب أي أفق واضح للتعافي الاقتصادي المستدام أو بدء عملية إعادة الإعمار الحقيقية التي يحتاجها القطاع.

انهيار القطاع الزراعي وتهديد الأمن الغذائي المحلي

تعرض قطاع الزراعة، الذي كان يشكل تاريخياً أحد أهم مصادر الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل لعشرات آلاف الأسر في غزة، إلى عملية تدمير واسعة وممنهجة نتيجة تجريف الأراضي الزراعية واستهداف شبكات الري والآبار الجوفية والبنية التحتية الزراعية بشكل مباشر.

 ويؤكد أبو مدلله أن التقديرات الإحصائية تشير إلى أن النشاط الزراعي انخفض بنحو 91% خلال الفترة الماضية، وهو الأمر الذي حرم آلاف المزارعين والعمال من مصادر دخلهم الوحيدة، وعمّق من حدة أزمة الأمن الغذائي في كافة محافظات القطاع، مما دفع السكان نحو الاعتماد القسري والمتزايد على المساعدات الغذائية الدولية في ظل تراجع القدرة المحلية على إنتاج المحاصيل الأساسية، حيث أصبحت الأسواق تعتمد كلياً على الواردات المحدودة التي يتحكم فيها الاحتلال، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار وتلاشي القدرة الشرائية للمواطن البسيط.

شلل القطاع الصناعي وتوقف سلاسل الإنتاج والتوريد

ولم يكن قطاع الصناعة بمنأى عن هذا الانهيار العاصف، حيث تعرضت المصانع والمنشآت الصناعية في مختلف مناطق القطاع للتدمير المباشر أو توقفت عن العمل تماماً بسبب النقص الحاد في إمدادات الكهرباء والوقود والمواد الخام اللازمة للتشغيل، ومع تراجع النشاط الصناعي بنحو 90%، توقفت سلاسل الإنتاج وفقد آلاف العمال وظائفهم في المصانع، مما ساهم في تسارع انهيار الاقتصاد المحلي وارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق في تاريخ القضية الفلسطينية.

ويشير أبو مدلله إلى أن قطاع التجارة شهد أيضاً شللاً شبه كامل نتيجة تدمير الأسواق المركزية والمحال التجارية وتعطل حركة الاستيراد والتصدير عبر المعابر، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من منشآت القطاع الخاص قد تضررت أو دمرت كلياً، الأمر الذي أدى إلى انهيار حركة التجارة الداخلية وتراجع النشاط الاقتصادي إلى مستويات هي الأدنى عالمياً.

الخسائر المليارية وانكماش الناتج المحلي الإجمالي

انعكست هذه التطورات الميدانية الكارثية على حجم الخسائر الاقتصادية الكلية التي بلغت مستويات ضخمة، حيث قدر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية المباشرة بنحو 19 مليار دولار نتيجة تراجع الإنتاجية وضياع الإيرادات، فيما كشفت تقارير الأمم المتحدة أن قيمة الأضرار في البنية التحتية بلغت نحو 18.5 مليار دولار، مع نزوح أكثر من مليون ونصف شخص وتدهور حاد في كافة الأنشطة المعيشية.

وفي هذا الإطار، يوضح أبو مدلله، عضو الأمانة العامة في اتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن تكلفة إعادة إعمار غزة باتت تُقدر بأكثر من 70 مليار دولار في ظل انكماش الاقتصاد بنسبة 87% خلال فترة الحرب، هذا الواقع المرير أدى لارتفاع البطالة إلى نحو 80%، بينما انكمش الناتج المحلي بأكثر من 82%، وارتفعت معدلات الفقر بشكل حاد، لتصبح غالبية الأسر الفلسطينية في غزة معتمدة كلياً على الإغاثة الدولية في ظل تلاشي مصادر الدخل الخاصة.

تدمير البنية التحتية وعوائق النقل والتجارة الدولية

زاد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تدمير البنية التحتية الحيوية بشكل واسع، حيث تضررت شبكات الطرق الرئيسية والفرعية وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي بشكل لا يمكن وصفه، وقد تعرض أكثر من 62% من شبكة الطرق في قطاع غزة للتدمير الكلي أو الضرر البليغ، الأمر الذي أعاق حركة النقل الداخلي والتجارة وعطل النشاط الاقتصادي اليومي بشكل كبير جداً.

 ويرى أبو مدلله أن هذا الاستهداف الممنهج للبنية التحتية يهدف إلى تقويض أي فرصة مستقبلية للنهوض السريع، حيث أن إصلاح هذه الشبكات يتطلب سنوات طويلة من العمل المتواصل ومليارات الدولارات من الاستثمارات الخارجية، مما يجعل من الصعوبة بمكان عودة الحياة التجارية إلى طبيعتها في ظل الركام الذي يغطي معظم شوارع المدن والمخيمات المنكوبة.

التنصل الإسرائيلي من استحقاقات التهدئة والاتفاقيات الدولية

رغم كافة الجهود السياسية والوساطات الإقليمية التي بُذلت للتوصل إلى اتفاق تهدئة شامل، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي كان يفترض أن تتضمن إدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات وتجارة يومياً، وفتح المعابر التجارية بشكل منتظم، وإدخال الوقود والمواد الأساسية المخصصة لإعادة الإعمار.

 ويوضح أبو مدلله أن عدم الالتزام بفتح معبر رفح وفق اتفاقية المعابر لعام 2005 أدى إلى استمرار القيود الخانقة على الحركة التجارية والإنسانية، وتعميق حالة الشلل الاقتصادي، كما استمر استهداف المنشآت الحيوية مثل المستشفيات والمخابز وتدمير المنازل شرق الخط الأصفر، مما زاد من أعداد النازحين وفاقم الأزمة الإنسانية، في وقت لم يتم فيه إدخال الكرافانات أو المساكن المؤقتة لإيواء آلاف الأسر التي فقدت مأواها، رغم أن ذلك كان جزءاً جوهرياً من التفاهمات الدولية الأولية.

مستقبل غزة بين ضغوط الوسطاء ودائرة الانهيار المستمر

في ظل هذه التطورات المتسارعة، تبدو سلطات الاحتلال وكأنها تضرب بعرض الحائط المرحلة الأولى من الاتفاق، وتسعى جاهدة للانتقال إلى المرحلة الثانية دون تنفيذ الالتزامات الأساسية، وهو ما يعمق الأزمة الاقتصادية ويؤخر فرص التعافي.

ويؤكد  أبو مدلله أن هذا السلوك يؤدي لاستمرار حالة الانهيار، وتحول الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد مساعدات بحت، مع تآكل الطبقة الوسطى وتراجع الاستثمارات، وفي المقابل، تبرز أهمية دور الوسطاء في مصر وقطر والأمم المتحدة في الضغط لتنفيذ الاتفاقات، حيث يمثل فتح المعابر وتثبيت وقف إطلاق النار المدخل الأساسي لوقف الانهيار، وبدون تنفيذ فعلي لهذه التفاهمات، سيبقى قطاع غزة عالقاً في دائرة مفرغة من الانهيار الاقتصادي والإنساني لفترة طويلة قادمة، مما يهدد بانفجار اجتماعي شامل نتيجة انعدام الأمل والاحتياجات الأساسية.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال