20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد قاعود لـ "180 تحقيقات": نزيف داخلي وجلطة في الرئة قوبلت بـ "المسكنات" داخل زنازين الاحتلال

في ظل تصاعد الانتهاكات داخل سجون الاحتلال، وتحوّلها إلى بيئة قاسية تتجاوز حدود الاحتجاز التقليدي، تبرز شهادات الأسرى المحررين

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
١٦ أبريل ٢٠٢٦
11 دقائق قراءة
29 مشاهدة
محمد قاعود

محمد قاعود

في ظل تصاعد الانتهاكات داخل سجون الاحتلال، وتحوّلها إلى بيئة قاسية تتجاوز حدود الاحتجاز التقليدي، تبرز شهادات الأسرى المحررين بوصفها نافذة نادرة تكشف ما يجري خلف الجدران المغلقة. فهي لا تنقل مجرد روايات فردية، بل توثّق واقعًا يوميًا مليئًا بالتفاصيل المؤلمة التي تعكس حجم المعاناة الإنسانية المستمرة.

في هذا السياق، يقدّم الأسير المحرر محمد قاعود، في حوار خاص مع موقع "180 تحقيقات"، شهادة حية تستند إلى تجربة مباشرة داخل السجون، كاشفًا عن طبيعة الحياة اليومية للأسرى، وأساليب التعذيب الجسدي والنفسي، وسياسات الإهمال الطبي، إلى جانب الأبعاد القانونية والإنسانية التي تحيط بملف الأسرى. حوار يسلّط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا، ويضع القارئ أمام حقيقة ما يجري بعيدًا عن الروايات الرسمية، عبر سرد تفصيلي ينبض بالألم والصمود في آنٍ واحد.

وإليكم نص الحوار: 

 كيف تبدو تفاصيل يوم كامل داخل سجون الاحتلال من لحظة الاستيقاظ حتى النوم، في ظل القيود المفروضة على الأسرى؟

يوم الأسير يبدأ مبكرًا جدًا، وغالبًا يكون الاستيقاظ على صوت الصراخ أو التفتيش أو العدّ لا يوجد راحة حقيقية، لأن الأسير يعيش تحت رقابة دائمة فكل زنزانة مثبت فيها كاميراتين، بالعادة يكون الاستيقاظ مع العدّ، ثم تُفرض عليه تعليمات صارمة داخل الغرفة أو القسم، فمثلا في أيام الشتاء، كان يجبرنا السجانون على غسل الغرفة لمدة ساعتين فجرا، بعد مصادرة الفرشات والبطانيات
خلال اليوم، يعاني الأسير من قلة الطعام والحركة، ونقص النظافة، وازدحام الغرف كان الغرفة المخصصة 12 أسير نوضع فيها 24 أسير، وكنا نعاني أحيانًا من قلة الماء أو انقطاعه المتعمد لساعات، في الليل، لا يكون هناك نوم مريح  فكنا نتغطى في حرامات خفيفة ومثقوبة، كما أن الجنود كانوا يتعمدوا الاقتحام المفاجئ والمتكرر في الليل، وفي مناطق كسجن عوفر أو النقب، كنا نعجز عن النوم من شدة البرد، والضجيج، والاكتظاظ، لذلك يمكن القول إن يوم الأسير كله قائم على الضغط والتقييد والتعذيب المستمر، وليس فيه وقت طبيعي أو حياة طبيعية.

 ما أبرز أساليب التعذيب الجسدي والنفسي التي يتعرض لها الأسرى خلال التحقيق، وكيف تطورت هذه الأساليب في السنوات الأخيرة؟


خلال التحقيق، يتعرض الأسرى لأساليب ضغط شديدة، منها الضرب، والشبح والصعق بالكهرباء، والحرمان من النوم لايام طويلة، والتقييد لفترات طويلة، والإجبار على الجلوس في أوضاع مؤلمة، والصراخ والإهانة والسب والشتم الدائم، وتكسير العظام، ونكأ الجروح.
أما التعذيب النفسي، فيظهر من خلال التهديد، والعزل، والتخويف، والضغط على الأسير بعائلته، وإشعاره بأنه وحده ولا أحد يعرف عنه شيئًا وأنه مجرد رقم فقط، وإخضاع الأسير لأيام طويلة في غرفة الديسكو، وهي غرفة مخصصة للتعذيب النفسي، بحيث يكون الأسير في ظروف صعبة وتحت ضغط موسيقى صاخبة على مدار الساعة، من التعذيب النفسي إخبار الأسرى بأن الجيش قتل عائلاتهم، أو عرض صور علينا تظهر أشلاء عوائلانا وقد تكون هذه الصور مولد بالذكاء الاصطناعي

 إلى أي مدى يشكل الإهمال الطبي داخل السجون سياسة ممنهجة، وما أبرز الحالات التي تعكس ما يُوصف بـ"القتل البطيء"؟

الإهمال الطبي داخل السجون لا يمكن اعتباره أمرًا عابرًا أو خطأ فرديًا فقط، لأن تكراره في عدد كبير من الحالات يجعله يبدو وكأنه سياسة واضحة. فالأسير المريض قد يتأخر عرضه على الطبيب، أو لا يحصل على العلاج المناسب، أو يُعطى مسكنات فقط بدل علاج حقيقي.

وهذا يؤدي إلى تدهور حالة الأسرى المرضى مع الوقت، خاصة من يعانون من أمراض مزمنة أو إصابات أو التهابات. هنا يظهر معنى "القتل البطيء"، أي أن الأسير لا يُقتل بشكل مباشر، لكن يُترك المرض ينهكه يومًا بعد يوم حتى تصبح حالته خطيرة جدًا.
وأبرز ما يعكس هذه السياسة هو معاناة الأسرى المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات أو أدوية أو متابعة مستمرة، لكنهم لا يحصلون عليها في الوقت المناسب، فيتضاعف الألم ويتراجع وضعهم الصحي بشكل كبير.

في أحد المرات خلال التعذيب، أصبت بكسور شديد في القفص الصدري، نتج عنها نزيف داخلي وجلطة في الرئتين، زارني الطبيب بعد أكثر من خمسين يوم، وأقر بوجود نزيف داخلي وجلطة، وقال بكل برود "أشرب مية وبتطيب بعد أسبوع أو أسبوعين" أشرب ميه هو العلاج الوحيد لكل الأوجاع والأمراض داخل السجن، وهو أمر مقصود بالنسبة للجيش الاحتلال.

 كيف يؤثر الاكتظاظ وسياسات العزل الانفرادي على الصحة النفسية والجسدية للأسرى؟

الاكتظاظ يجعل الحياة داخل الغرفة صعبة جدًا. عندما يكون عدد الأسرى كبيرًا في مساحة ضيقة، تقل الراحة، وتزداد الأمراض، وتضعف القدرة على النوم أو الحركة. كما أن نقص النظافة في مكان مزدحم يزيد من انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، إضافة إلى انعدام الخصوصية، وكان يلجأ الاحتلال إلى زيادة الاكتظاظ عسى أن يولد هذا الاكتظاظ نزاعات ومشاكل بين الأسرى.
أما العزل الانفرادي، فهو من أخطر الوسائل التي تؤثر على الإنسان نفسيًا. عندما يُترك الأسير وحده لفترة طويلة، بعيدًا عن بقية الأسرى، يشعر بالوحدة والخوف والفراغ والضغط النفسي الشديد. وقد يسبب ذلك القلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، وضعف التركيز.

ما الأبعاد القانونية لقانون إعدام الأسرى، وكيف يمكن أن يؤثر على مستقبل الصراع وعلى وضع الأسرى داخل السجون؟

قانون إعدام الأسرى يحمل أبعادًا قانونية خطيرة، لأنه يعني الانتقال من سياسة السجن والعقاب إلى سياسة قتل الأسير بشكل مباشر من خلال القانون وهذا ما يحدث الآن من قتل الأسرى بشكل بطيئ عبر التجويع والإهمال الطبي والتعذيب المتواصل، تمرير قانون الإعدام بشكله الحالي، فإنه سيفتح الباب لاحقا إلى إجراء تعديلات بحيث يخلق الاحتلال الذرائع لقتل الأسرى بالأشكال كافة.
6) كيف تدير الحركة الأسيرة نفسها داخل السجون، وما أدواتها في مواجهة سياسات الاحتلال مثل الإضراب عن الطعام؟
منذ 7 أكتوبر حل الاحتلال الاطار التنظيمي للأسرى، ويمنع أي شكل من أشكال التنظيم، ويمنع إجراء أي نشاط، حتى صلاة الجماعة والجمعة باتت جريمة تستدعي العقوبة، لكن الأسرى يديروا شؤنهم في أضيق الظروف، بحيث تتحول كل غرفة إلى نظام كامل متكامل، بعيدا عن أعين السجان، توزع الأدوار بين لجان الطعام والنظافة، واللجنة الثقافية، واللجنة الدعوية، بشكل غير بسيط حتى لا يتم قمع الغرفة وتفريقها.
ما طبيعة المعاناة اليومية لعائلات الأسرى، خاصة الأطفال والزوجات، في ظل الغياب القسري والمعاناة الاقتصادية والنفسية؟

عائلة الأسير تعيش معاناة يومية مستمرة، لأن غيابه لا يعني فقط فقدان شخص من البيت، بل فقدان دور كامل داخل الأسرة. الزوجة تتحمل مسؤوليات أكبر في البيت، وتواجه أعباء نفسية واقتصادية في الوقت نفسه.
أما الأطفال، فهم من أكثر الفئات تضررًا، لأنهم يكبرون في ظل غياب الأب أو الأخ، وقد لا يفهمون سبب الغياب بشكل كامل. وهذا يترك أثرًا نفسيًا عميقًا عليهم، مثل الحزن، والقلق، والشعور بالنقص أو الحرمان.
وغياب رب الأسرى يعني أن تعاني العائلة من الضغوط الاقتصادية، خاصة إذا كان الأسير هو المعيل الأساسي. إلى جانب ذلك، هناك معاناة نفسية مستمرة بسبب الخوف عليه في ظل ما ينقل عن تعذيب شديد للأسرى وأن العشرات استشهدوا تحت التعذيب والإهمال الطبي، ،وكذلك لانعدام الزيارة وغياب الأخبار الواضحة عن حالته.

كيف تسهم شهادات الأسرى المحررين في كشف ما يجري داخل السجون، وما التحديات التي تواجه توثيق هذه الشهادات؟
شهادات الأسرى المحررين مهمة جدًا، لأنها تكشف ما يحدث داخل السجون من تفاصيل لا يمكن رؤيتها من الخارج. فالمحرر ينقل صورة عن التحقيق، والتعذيب، وظروف المعيشة، والإهمال الطبي، والعزل، وكل ما يجري خلف الجدران.
هذه الشهادات تساعد الباحثين والمؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام على فهم الواقع الحقيقي داخل السجون، كما تمنح الناس صورة إنسانية مباشرة عن معاناة الأسرى.
لكن توثيق هذه الشهادات ليس سهلًا. فبعض الأسرى يخرجون وهم في حالة نفسية أو صحية صعبة، وبعضهم يخاف من الحديث نظرا لتهديد الاحتلال قبل الافراج أو بعد الافراج بأن من يتحدث عن ما يجري داخل السجون فإن مصيره الموت، وهذا ما حدث معي شخصيا، حين أخبرني ضابط الشاباك قبل الإفراج عني أنه في حال تحدث عن تجربة الاعتقال والمعاناة التي عايشتها عبر وسائل الإعلام، فإنه سيكون أمامي خيارين اما إعادة الاعتقال والسجن لسنوات، أو استهدافي داخل غرفة نومي بالصواريخ وقتلي مع عائلتي
ما دور المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية في متابعة ملف الأسرى، وهل تنجح في إحداث ضغط حقيقي على الاحتلال؟

المؤسسات الحقوقية تقوم بدور مهم في توثيق الانتهاكات، ومتابعة أوضاع الأسرى، ورفع الشكاوى، وإصدار التقارير، ونقل القضية إلى المحافل الدولية. وهي تساعد أيضًا في إبقاء ملف الأسرى حاضرًا قانونيًا وإنسانيًا.
هذا الدور مهم جدًا، لأنه يمنع تغييب الحقيقة، ويجعل الانتهاكات موثقة وليست مجرد روايات شفوية. كما أنه يدعم عائلات الأسرى، ويساعد في كشف ما يجري داخل السجون.
لكن تأثير هذه المؤسسات ليس دائمًا بالقوة المطلوبة، لأن الضغط الحقوقي وحده لا يكفي إذا لم ترافقه إرادة سياسية دولية حقيقية. لذلك يمكن القول إنها تنجح في كشف الحقيقة وفضح الانتهاكات، لكنها لا تنجح دائمًا في وقفها بشكل فوري أو حتى تخفيف الظروف التي يمروا بها الأسرى بشكل يومي، وهذا يتطلب منا جميعا أن نقف وقفة جادة وأن نضغ في كل الاتجاهات للعمل على نصرة الأسرى وتحريرهم أو التخفيف عنهم
 كيف يمكن للإعلام أن يعيد قضية الأسرى إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، بعيدًا عن التغطية الموسمية أو الخبرية التقليدية؟


الإعلام يستطيع أن يعيد قضية الأسرى إلى الواجهة إذا تعامل معها كقضية إنسانية مستمرة، لا كخبر عابر يظهر في المناسبات فقط. وهذا يحتاج إلى تبني حقيقي لهذه القضية والعمل الدائم على أن تكون هذه القضية ظاهرة في التقارير المعمقة، والقصص الإنسانية، والمتابعة الدائمة، وليس مجرد نشر أخبار عابرة.
من المهم أيضًا أن يركز الإعلام على حياة الأسير اليومية، وعلى معاناة عائلته، وعلى الشهادات الحية، لأن هذه الجوانب تقرب القضية من الناس وتجعلها مفهومة ومؤثرة. كما يجب استخدام أساليب حديثة في التغطية، مثل الأفلام القصيرة،، والمواد التفاعلية، والقصص الموثقة، وبذلك يمكن للإعلام أن ينقل قضية الأسرى من التغطية الموسمية إلى الحضور الدائم، وأن يجعلها حاضرة في الوعي العربي والدولي بشكل أوسع وأقوى.

في ختام هذا الحوار، تتجلى شهادة محمد قاعود كوثيقة إنسانية صادمة تكشف عمق المعاناة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، حيث لا تقتصر الانتهاكات على لحظات التحقيق، بل تمتد لتشكّل واقعًا يوميًا قائمًا على القهر والتجريد من أبسط حقوق الإنسان، وبين تفاصيل التعذيب، والإهمال الطبي، والعزل، يظل الأسير شاهدًا حيًا على منظومة متكاملة من الانتهاكات التي تستدعي وقفة جادة على المستويين الحقوقي والإنساني.

ورغم قسوة التجربة، تبقى هذه الشهادات أداة أساسية في فضح ما يجري خلف القضبان، وإعادة تسليط الضوء على قضية الأسرى بوصفها قضية عادلة لا تحتمل التهميش أو النسيان. إنها دعوة مفتوحة للإعلام، والمؤسسات الحقوقية، وكل صاحب ضمير، لتحويل هذه الروايات من مجرد شهادات إلى فعل حقيقي يسهم في كسر دائرة الصمت، والانتصار لكرامة الإنسان.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال