حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن العودة إلى مستويات إنتاج الطاقة قبل اندلاع حرب إيران لن تكون سريعة، بل قد تمتد لشهور طويلة وربما تصل إلى عامين كاملين. وأوضح أن حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط يعكس عمق الأزمة وتعقيد مسار التعافي.
وقال بيرول في مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” إن أكثر من 80 منشأة طاقة رئيسية تعرضت لأضرار متفاوتة، مشيراً إلى أن أكثر من ثلثها تضرر بشكل بالغ أو شديد. وأضاف أن الاعتقاد بإمكانية التعافي السريع “تفاؤل مفرط لا يعكس الواقع الميداني”.
وأكد أن أزمة الطاقة الحالية تُعد من أعقد الأزمات التي شهدها العالم، في ظل انقطاع إمدادات النفط والغاز عبر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز. وشدد على أن تداعياتها لا تقتصر على الإقليم، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
أزمة ممتدة
رسم بيرول صورة قاتمة للوضع العالمي، واصفاً ما يجري بأنه “أكبر أزمة طاقة واجهناها على الإطلاق”، نتيجة اضطراب الإمدادات الحيوية. وأشار إلى أن آثارها لن تكون متساوية بين الدول، بل ستطول بشكل أكبر الاقتصادات الهشة.
وأوضح أن الدول الأكثر تضرراً لن تكون بالضرورة الأكثر حضوراً في المشهد السياسي، بل الدول النامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأضاف أن حتى الدول الغنية ليست بمنأى عن تداعيات هذه الأزمة المتصاعدة.
وأكد أن أي غياب لحل سياسي يعيد فتح مضيق هرمز بشكل مستقر سيجعل الجميع في دائرة الخطر. واعتبر أن استقرار أسواق الطاقة مرتبط مباشرة بإنهاء الحرب وإعادة تأمين خطوط الإمداد.
مضيق هرمز وأزمة الطاقة
أوضح بيرول أن نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية، ما يجعله أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في العالم. وحذر من أن استمرار تعطيل هذا الممر لأسابيع إضافية قد يفاقم أزمة الإمدادات بشكل خطير.
وأشار إلى أن أوروبا تمتلك مخزون وقود طائرات يكفي لنحو ستة أسابيع فقط، ما يبرز هشاشة الوضع. وأضاف أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى إلغاء رحلات جوية نتيجة نقص الوقود في بعض المسارات.
كما لفت إلى أن شركات طيران أوروبية وأمريكية بدأت بالفعل تشعر بارتفاع التكاليف، رغم عدم تسجيل نقص فوري في الإمدادات. وأكد أن الضغوط المالية بدأت تنعكس على أسعار التذاكر وعدد الرحلات.
قطاع الطيران
أعلنت شركات طيران مثل KLM وeasyJet أنها لا تواجه حالياً نقصاً في الوقود، لكنها لم تستبعد تأثيرات مستقبلية. في المقابل، قالت Delta Air Lines إنها تتابع عن كثب أزمة الإمدادات المحتملة في أوروبا.
وأوضحت شركة KLM أنها ستلغي نحو 160 رحلة الشهر المقبل نتيجة ارتفاع أسعار الكيروسين، معتبرة أن بعض الرحلات لم تعد مجدية اقتصادياً. ويعكس ذلك تحول الأزمة من مستوى إنذاري إلى تأثيرات تشغيلية مباشرة.
كما بدأ المسافرون يدفعون ثمن الأزمة عبر ارتفاع الأسعار والرسوم الإضافية، إلى جانب تقليص عدد الرحلات. ويشير هذا الاتجاه إلى أن تداعيات أزمة الطاقة باتت تمتد إلى المستهلك النهائي بشكل واضح.
ركود محتمل
حذر بيرول من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى نهاية مايو قد يدفع العديد من الدول إلى مواجهة تباطؤ اقتصادي حاد. وأشار إلى أن بعض الاقتصادات قد تنزلق نحو الركود إذا استمرت الأزمة دون حلول.
وانتقد فرض رسوم على مرور السفن عبر المضيق، معتبراً أن ذلك قد يشكل سابقة خطيرة إذا تم تعميمه على ممرات أخرى. وأكد أن حرية تدفق النفط يجب أن تبقى دون شروط أو قيود.
وأضاف أن أكثر من 110 ناقلات نفط و15 ناقلة غاز مسال تنتظر حالياً في الخليج، ما قد يخفف جزءاً من الأزمة إذا سمح لها بالتحرك. لكنه شدد على أن هذه الكميات لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار الكامل للأسواق.
تحذير أخير
قال بيرول إن السماح بتحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط اقتصادي يمثل خطراً طويل المدى على التجارة العالمية. وأكد أن ذلك قد يفتح الباب أمام أزمات مشابهة في مناطق أخرى مثل مضيق ملقا.
واعتبر أن السيطرة على تدفق الطاقة من قبل قوة محدودة يشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي. وأشار إلى أن هذا الواقع غير قابل للاستمرار دون نظام دولي واضح يضمن حرية الملاحة.
وختم بأن الوكالة حذرت منذ سنوات من أهمية مضيق هرمز، لكن الأزمة الحالية تثبت أن تلك التحذيرات كانت مبررة. وأكد أن مستقبل الطاقة العالمية يعتمد على استعادة الاستقرار في هذا الممر الحيوي.










