في خطوة وصفت بأنها الأجرأ منذ عقود داخل القارة العجوز، أعلن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن حكومته تستعد لتقديم مقترح رسمي وصارم إلى الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء المقبل، يطالب فيه صراحة بتعليق اتفاقية الشراكة القائمة بين الاتحاد ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك رداً على استمرار الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية والمنطقة، وهو ما يضع بروكسل أمام اختبار حقيقي لمبادئها المعلنة بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
سانشيز: لا حصانة لمنتهكي القانون الدولي تحت مظلة الاتحاد
تحدث رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال فعالية سياسية حاشدة بمدينة "خيبراليون"، مؤكداً أن الوقت قد حان لترجمة الأقوال إلى أفعال دبلوماسية ملموسة، مشدداً على أن الموقف الإسباني نابع من الالتزام الأخلاقي والقانوني الذي تفرضه المعاهدات الدولية.
وأوضح سانشيز أن الحكومة الإسبانية ستقوم يوم الثلاثاء القادم بطرح ملف إعادة صياغة العلاقات مع إسرائيل على طاولة الشركاء الأوروبيين، مع التركيز على ضرورة تعليق "اتفاقية الشراكة" التي تمنح تل أبيب مزايا تجارية وسياسية واسعة، مؤكداً أن أي دولة تضرب بالقانون الإنساني الدولي عرض الحائط لا يمكن أن تظل شريكاً استراتيجياً للاتحاد الذي تأسس على قيم العدالة والسلام.
إن التحرك الإسباني لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج ضغوط شعبية وسياسية داخلية متزايدة تطالب بوقف كافة أشكال التعاون مع حكومة الاحتلال التي تواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
ويرى مراقبون أن خطاب سانشيز في "خيبراليون" يمثل تحولاً جذرياً في النبرة الدبلوماسية الأوروبية، حيث انتقل من "القلق العميق" إلى "الإجراء العقابي" المباشر، وهو ما قد يؤدي إلى انقسام داخل الاتحاد الأوروبي بين الدول المؤيدة للحقوق الفلسطينية والدول التي لا تزال تتردد في اتخاذ مواقف حازمة تجاه إسرائيل.
عدوى المقاطعة: إيطاليا تجمد التعاون العسكري والدفاعي
لم تكن إسبانيا الوحيدة في مضمار الضغط على إسرائيل، فقد سبقتها رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بخطوة وصفت بالسيادية والهامة، حيث أعلنت رسمياً تعليق اتفاقية الدفاع المشترك مع إسرائيل، والتي كانت تنظم تبادل المعدات العسكرية وأبحاث التكنولوجيا المتقدمة. ميلوني، وفي تصريحات نقلتها وكالة "أنسا" الإيطالية من مدينة فيرونا، أكدت أن الحكومة الإيطالية اتخذت قراراً بوقف التجديد التلقائي لهذه الاتفاقية الحساسة، عازية ذلك إلى "الوضع الراهن" الذي يفرض إعادة تقييم شاملة للتعاون العسكري في ظل التوترات المتصاعدة والانتهاكات المسجلة في الميدان.
هذا الموقف الإيطالي، رغم خلفية ميلوني اليمينية، يعكس قلقاً أوروبياً شاملاً من الانزلاق خلف السياسات الإسرائيلية المتطرفة، حيث يشكل تعليق التعاون الدفاعي ضربة قوية للتفوق التكنولوجي العسكري المشترك، ويفتح الباب أمام دول أوروبية أخرى لمراجعة عقود تسليحها واتفاقياتها الأمنية مع تل أبيب، مما يعزز العزلة الدولية التي بدأت تضيق الخناق على حكومة الاحتلال بشكل تدريجي وممنهج.
اتفاقية الشراكة الأوروبية: السلاح الاقتصادي في مواجهة الاحتلال
تعد اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل العمود الفقري للعلاقات الاقتصادية والسياسية بين الطرفين، حيث تمنح الاحتلال تسهيلات جمركية ضخمة وقدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية، بالإضافة إلى برامج تعاون علمي وثقافي.
وبحسب المقترح الإسباني، فإن الاستمرار في العمل بهذه الاتفاقية في ظل "الانتهاكات الصارخة للقانون الإنساني" يمثل تناقضاً صارخاً مع البنود الأساسية للاتفاقية نفسها، والتي تنص في مادتها الثانية على أن الاحترام المتبادل لحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية يشكل أساس الشراكة.
إن نجاح إسبانيا في إقناع شركائها الأوروبيين بتعليق هذه الاتفاقية سيعني حرمان إسرائيل من أهم شريك تجاري لها، مما سيؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة تتجاوز المليارات، فضلاً عن الرسالة السياسية المدوية التي تفيد بأن "زمن الاستثناء الإسرائيلي" قد انتهى، وأن القارة الأوروبية لم تعد مستعدة للتضحية بسمعتها القانونية مقابل الحفاظ على علاقات اقتصادية مع نظام يواجه محاكمات دولية بتهم الإبادة الجماعية.
مستقبل العلاقات الأورومتوسطية في ظل الحراك الجديد
تتجه الأنظار الآن إلى يوم الثلاثاء المقبل، حيث ستشهد أروقة الاتحاد الأوروبي نقاشات ماراثونية حول المقترح الإسباني، ويتوقع الخبراء أن تشكل مواقف دول مثل ألمانيا وفرنسا بيضة القبان في هذا الصراع الدبلوماسي.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح فكرة "التعليق" رسمياً يعد انتصاراً كبيراً للدبلوماسية التي تقودها مدريد بالتعاون مع عواصم أخرى مثل دبلن وليوبليانا، مما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الأورومتوسطية تقوم على المساءلة بدلاً من التواطؤ الصامت.
ويظهر بوضوح أن التحركات التي يقودها بيدرو سانشيز وجورجيا ميلوني تعكس بداية "صحوة دبلوماسية" قد تغير وجه المنطقة، فبينما يتم تعليق اتفاقيات الدفاع في روما، يتم التخطيط لهدم جدار الشراكة الاقتصادية في مدريد، مما يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع حلفائها التقليديين الذين بدأوا يشعرون بعبء أخلاقي وقانوني ثقيل نتيجة استمرار الصراع وعدم الانصياع للقرارات الأممية، وهو ما ينذر بصيف دبلوماسي ساخن قد يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط.










