شهدت العاصمة المصرية القاهرة خلال الأسبوع الماضي حراكاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً، حيث عقد وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية "حماس" سلسلة من اللقاءات والحوارات المعمقة مع الوسطاء المصريين والقطريين، بالإضافة إلى مشاورات مع عدد من الفصائل الفلسطينية.
تأتي هذه التحركات في سياق حرج يسعى فيه الجانب الفلسطيني لاستكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى وفق ما تم التوافق عليه في "اتفاق شرم الشيخ"، وذلك في ظل تصاعد وتيرة الخروقات الإسرائيلية المستمرة وعدم التزام حكومة الاحتلال بالاستحقاقات المطلوبة منها، مما يضع العملية السياسية برمتها على المحك أمام تعنت الموقف الميداني والسياسي الإسرائيلي.
مرتكزات الموقف السياسي لحركة حماس في جولة القاهرة
أكدت حركة حماس في بيان رسمي صدر عنها مساء اليوم الأحد أنها تعاملت بروح إيجابية ومسؤولة مع مختلف الأطروحات والنقاشات التي جرت في أروقة القاهرة، مشددة على أن بوصلتها تتجه نحو تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني العليا.
وأوضحت الحركة أن الرؤية التي قدمتها تستند بشكل أساسي إلى مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومخرجات اتفاق شرم الشيخ، اللذين يمثلان الإطار المرجعي للوصول إلى تسوية شاملة تنهي المعاناة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة.
ويركز الموقف السياسي للحركة على ضرورة تحويل الوعود الدولية إلى إجراءات ملموسة على الأرض تبدأ بالانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من كافة مناطق القطاع دون استثناء.
التنسيق الفصائلي وضرورة الوحدة في مواجهة التحديات
لم تقتصر جولة وفد حماس في القاهرة على التباحث مع الوسطاء فحسب، بل شملت حوارات وطنية شاملة مع ممثلي الفصائل الفلسطينية المتواجدين هناك.
ويهدف هذا التنسيق إلى صياغة موقف فلسطيني موحد يواجه محاولات الاحتلال للتنصل من التزاماته، حيث ترى حماس أن قوة الموقف التفاوضي تنبع من وحدة الموقف الميداني والسياسي.
وقد جرى التأكيد خلال هذه اللقاءات على أن أي اتفاق قادم يجب أن يضمن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وعلى رأسها إنهاء الحصار بشكل نهائي والشروع الفوري في عملية إعادة إعمار واسعة النطاق تشمل كافة المرافق الحيوية والبنى التحتية التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية.
خروقات الاحتلال: العائق الأكبر أمام تنفيذ المرحلة الأولى
تتصدر قضية "خروقات الاحتلال" أجندة البحث في القاهرة، حيث قدم وفد حماس دلائل وقائع تشير إلى عدم التزام الجانب الإسرائيلي بمعظم بنود المرحلة الأولى من الاتفاق.
وتعتبر الحركة أن استمرار العمليات العسكرية المحدودة واستهداف المدنيين وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية بالقدر الكافي يمثل انتهاكاً صارخاً لتفاهمات شرم الشيخ.
وطالبت الحركة الوسطاء بضرورة ممارسة ضغوط حقيقية وفاعلة على حكومة الاحتلال لإلزامها بما تم التوقيع عليه، مؤكدة أن المصداقية الدولية في رعاية هذه المفاوضات تتوقف على قدرة الأطراف الدولية على كبح جماح التغول الإسرائيلي وضمان تنفيذ البنود المتفق عليها في المرحلة الأولى.
آفاق الانتقال للمرحلة الثانية وشروط الحوار الجدي
فيما يخص الخطوات المستقبلية، رسمت حماس خارطة طريق واضحة تتضمن ضرورة النجاح الكامل في اختبار "المرحلة الأولى" كشرط أساسي للانتقال إلى أي حوار جدي بشأن قضايا المرحلة الثانية.
وتشدد الحركة على أن الدخول في تفاصيل المرحلة الثانية، التي تتضمن قضايا أكثر تعقيداً، لا يمكن أن يتم في ظل وجود ثغرات في تنفيذ المرحلة السابقة.
إن الهدف النهائي الذي تسعى إليه الحركة والوسطاء هو التوصل إلى اتفاق مقبول ومستدام ينهي الحرب بشكل كامل، ويؤدي إلى فتح المعابر وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، بما يضمن حياة كريمة لمواطني قطاع غزة الذين تحملوا عبء العدوان والحصار لسنوات طويلة.
الدور المصري والقطري ومستقبل الوساطة في المنطقة
أثنت حركة حماس في ختام بيانها على الدور الذي يبذله الوسطاء في جمهورية مصر العربية ودولة قطر، مؤكدة حرصها على استمرار قنوات التواصل والتنسيق الدائم معهم.
وترى الحركة أن الدور العربي يمثل صمام أمان لضمان عدم انحراف المفاوضات عن مسارها الوطني والإنساني ومع استمرار الحراك الدبلوماسي، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة المجتمع الدولي على إلزام الاحتلال بالانسحاب الكامل والبدء في إعادة الإعمار، وهي الملفات التي تعتبرها حماس "خطوطاً حمراء" لا يمكن التنازل عنها في أي جولات تفاوضية قادمة، معتبرة أن إنهاء المعاناة الإنسانية هو المقياس الوحيد لنجاح أي جهد سياسي.










