أكد المحلل الاقتصادي الفلسطيني مصطفى رضوان، أن ما يشهده قطاع غزة في الوقت الراهن لا يمثل مجرد تدهور اقتصادي عابر، بل هو تحول هيكلي قسري وممنهج طال كافة مفاصل الحياة الإنتاجية.
وأوضح رضوان في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن الاقتصاد الغزي، الذي كان يصارع من أجل البقاء لسنوات طويلة، قد انتقل من مرحلة "الاقتصاد المقيد" الذي كان يئن تحت وطأة الحصار منذ عام 2007، إلى مرحلة "الاقتصاد المشلول بالكامل" عقب أحداث أكتوبر 2023، هذا الشلل لم يصب القطاعات الخدمية فحسب، بل امتد ليدمر القاعدة الإنتاجية التي كانت تشكل العمود الفقري للاستقرار النسبي للمجتمع الفلسطيني في القطاع، مما دفع بمئات الآلاف من الأسر إلى السقوط في دائرة الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية وسيلةً وحيدة للبقاء على قيد الحياة.
جذور الانهيار: من الحصار الممنهج إلى الشلل الكلي
استعرض رضوان التسلسل الزمني لتقويض القدرة الإنتاجية في غزة، مشيراً إلى أن البداية كانت منذ عام 2007 عبر فرض قيود مشددة قلصت دخول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج وعطلت سلاسل الإمداد بشكل متعمد.
ورغم هذه الضغوط، بقي الاقتصاد يعمل جزئياً بفضل إصرار القطاع الخاص، إلا أن الحرب الأخيرة أحدثت تغييراً جذرياً؛ حيث دُمرت أكثر من 80% من المباني والبنية التحتية، وخرجت أكثر من 90% من الشركات عن الخدمة تماماً.
ولفت رضوان إلى أن الانهيار شبه الكامل في منظومة الكهرباء والطاقة أدى إلى رصاصة الرحمة على ما تبقى من مصانع ومنشآت، مما تسبب في هجرة جماعية لرؤوس الأموال وتوقف تام للاستثمار، لينخفض الناتج المحلي من 3 مليارات دولار سنوياً قبل الحرب إلى نحو 350 مليون دولار فقط، أي بنسبة انخفاض مروعة تتجاوز 83%.
عوامل تدمير القطاعات الإنتاجية وغياب البيئة الآمنة
حدد رضوان مجموعة من العوامل التي تضافرت لتؤدي إلى انهيار القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية، وعلى رأسها الحصار طويل الأمد الذي استهدف شل القدرة التنافسية للمنتج المحلي، كما أن الاستهداف المباشر للمنشآت الاقتصادية، بما في ذلك المزارع والمصانع الكبرى، كان يهدف إلى تجريد غزة من أدوات الاعتماد على الذات.
وأضاف رضوان أن انقطاع الكهرباء المزمن، الذي تحول إلى انهيار كامل، جعل من المستحيل تشغيل أي دورة إنتاجية مستدامة، مما خلق بيئة طاردة للاستثمار ومحفزة لهجرة الكفاءات المهنية والعلمية، وهو ما يفرغ القطاع من قواه البشرية القادرة على القيادة الاقتصادية في المستقبل، ويحول المجتمع إلى كتلة استهلاكية تعتمد حصرياً على ما يرد من خلف الحدود.
ترسيخ الجمود الاقتصادي و"فخ الإغاثة" المستدام
وفي تحليل معمق لأثر المساعدات، حذر مصطفى رضوان عبر "180 تحقيقات" من أن الاعتماد الواسع على الإغاثة، رغم ضرورته القصوى لإنقاذ الأرواح، أدى في المقابل إلى ترسيخ حالة من "الجمود الاقتصادي"، هذا الواقع خلق تحولاً خطيراً في سلوك الأفراد، الذين تحولوا قسرياً من "منتجين" يساهمون في الدورة الاقتصادية إلى "متلقين" ينتظرون المعونات لتأمين احتياجاتهم الأساسية، هذا الانكماش في السوق المحلي وغياب الاستثمارات طويلة الأجل أدى إلى نشوء حالة اقتصادية مشوهة، حيث لا توجد دورة إنتاجية حقيقية، بل مجرد تدفقات مالية وعينية إغاثية تذهب للاستهلاك المباشر دون أن تساهم في خلق قيمة مضافة أو توفير فرص عمل مستدامة، مما يجعل المجتمع رهينة للقرار السياسي الدولي والتمويل الخارجي.
واقع الشباب المرير: بطالة قياسية وفقر يتجاوز الحدود
ألقى رضوان الضوء على التكاليف الاجتماعية الباهظة لهذا الانهيار، حيث قفزت معدلات البطالة من 45% قبل الحرب إلى مستويات قياسية تلامس 85%، فيما ارتفعت نسبة الفقر لتتجاوز 95% من السكان، هذا الواقع المظلم أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام أمان للمجتمع، وفقد الشباب الفلسطيني الأمل في بناء مستقبل مهني، حيث تحول تفكيرهم من "تحسين الدخل وتطوير الذات" إلى مجرد "تأمين لقمة العيش للبقاء". إن غياب فرص العمل بالكامل وضع الأجيال الشابة أمام خيارات صعبة، مما يعزز من حالة الإحباط الاجتماعي ويجعل من فكرة الهجرة حلماً يراود الجميع، وهو ما يخدم أهداف الاحتلال في إفراغ الأرض من طاقاتها البشرية المنتجة.
استراتيجية الخروج: من الإغاثة إلى التنمية المستدامة
ووضع رضوان رؤية متكاملة للخروج من "فخ الإغاثة"، تبدأ بضرورة وقف العمليات العسكرية وانسحاب الاحتلال ورفع القيود الاقتصادية فوراً.
وشدد على أن عملية إعادة الإعمار يجب أن تكون "تنموية" وليست مجرد "إنسانية"، من خلال إصلاح قطاعات الطاقة والمياه والزراعة لإعادة تشغيل المصانع.
كما دعا إلى دعم القطاع الخاص عبر تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وفتح المعابر لتمكين عمليات التصدير والاستيراد وربط غزة بالأسواق الإقليمية
. واختتم رضوان تصريحاته بالتأكيد على أهمية التكامل الاقتصادي بين الضفة وغزة والاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم والتدريب المهني، مؤكداً أن العودة للإنتاج هي الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة الاقتصادية للفلسطينيين في قطاع غزة.










