أعلنت هيئة المعابر والحدود الفلسطينية في قطاع غزة، في تصريح صحفي عاجل اليوم الإثنين، عن توقف عمليات إجلاء الجرحى والمرضى التي كانت مقررة لهذا اليوم بشكل كامل.
وأوضحت الهيئة أن هذا التوقف القسري جاء نتيجة قرار مفاجئ من قوات الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق معبر رفح البري ومنع حركة السفر في الاتجاهين، مما أدى إلى عرقلة وصول الحالات الحرجة التي كانت تنتظر بفارغ الصبر فرصة للعلاج في المستشفيات الخارجية
. هذا الإجراء التصعيدي يأتي في وقت يعاني فيه القطاع الصحي في غزة من انهيار شبه كامل، مما يضع حياة المئات من المصابين وأصحاب الأمراض المزمنة على المحك، ويحول المعبر الذي يمثل شريان الحياة الوحيد إلى أداة جديدة من أدوات التنكيل والضغط السياسي.
شلل في حركة السفر وتفاقم المعاناة الصحية
إن إغلاق معبر رفح والتشديدات الأمنية المشددة المفروضة عليه لم تؤدِ فقط إلى توقف حركة المسافرين العاديين، بل فاقمت الأوضاع الصحية المتردية أصلاً لآلاف الجرحى الذين فقدوا الأمل في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
وأشارت هيئة المعابر والحدود إلى أن يوم أمس الأحد شهد حركة محدودة جداً، حيث لم يغادر القطاع سوى 114 شخصاً، من بينهم 36 مريضاً فقط برفقة 78 مرافقاً، وهي أرقام لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية الهائلة في ظل وجود آلاف الجرحى والمصابين بحالات بتر وحروق معقدة. إن منع هؤلاء من السفر يعني الحكم عليهم بالموت البطيء داخل مستشفيات تفتقر إلى أبسط المستلزمات الطبية والأدوية والوقود اللازم لتشغيل غرف العمليات.
خروقات وقف إطلاق النار وحصيلة الدماء المستمرة
رغم الحديث الدولي المستمر عن تفاهمات وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني في قطاع غزة يؤكد استمرار العدوان الإسرائيلي بأشكال مختلفة.
ووفقاً لبيان رسمي صادر عن وزارة الصحة، فإن دولة الاحتلال قتلت منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي نحو 391 فلسطينياً وأصابت 1,063 آخرين في خروقات مباشرة وواضحة لاتفاقيات التهدئة.
هذه الأرقام تؤكد أن الاحتلال لم يتوقف عن ممارسة سياسة القتل الممنهج، سواء عبر القصف المباشر أو عبر سلاح الحصار الطبي وإغلاق المعابر، مما يجعل من أي اتفاق لوقف إطلاق النار حبراً على ورق لا يجد له صدى في حماية أرواح المدنيين أو تسهيل مهام الطواقم الطبية والإغاثية.
الإبادة الجماعية بالأرقام: غزة تواجه هولوكوست القرن الحادي والعشرين
منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخل قطاع غزة في نفق مظلم من الإبادة الجماعية التي لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً، حيث كشفت الإحصائيات الرسمية عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة.
فقد بلغ العدد الإجمالي للشهداء 72,551 شهيداً، فيما وصل عدد المصابين إلى 172,274 مصاباً، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال. هذه الحصيلة الثقيلة مرشحة للزيادة في ظل وجود آلاف الضحايا الذين ما زالوا تحت الأنقاض وفي الطرقات الوعرة التي يمنع الاحتلال طواقم الدفاع المدني من الوصول إليها. إن منع إجلاء الجرحى اليوم يضيف فصلاً جديداً لهذه الإبادة، حيث يحرم المصابين من فرصة النجاة الوحيدة، مما يزيد من أعداد الشهداء نتيجة الإهمال الطبي القسري.
صعوبات تواجه طواقم الإنقاذ والإسعاف
لا تتوقف مأساة غزة عند المعابر المغلقة، بل تمتد لتشمل العجز الميداني عن انتشال الضحايا بسبب استمرار الاستهداف ومنع إدخال المعدات الثقيلة. وتؤكد فرق الإنقاذ أنها تواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى جثامين الشهداء في المناطق الحدودية أو في المربعات السكنية التي سويت بالأرض، وهو ما يفسر بقاء آلاف الضحايا في عداد المفقودين حتى اللحظة. إن إغلاق معبر رفح يمنع أيضاً دخول الفرق الطبية المتخصصة والمساعدات اللوجستية التي قد تساعد في تحسين قدرات الاستجابة الطارئة، مما يكرس حالة العجز ويجعل من عملية إنقاذ أي روح فلسطينية مغامرة محفوفة بالمخاطر القاتلة تحت نيران الاحتلال.
المسؤولية الدولية أمام حصار الموت
إن توقف عملية إجلاء الجرحى اليوم يضع المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية العالمية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها وإن القانون الدولي الإنساني يفرض على القوة المحتلة تسهيل مرور المساعدات الطبية وإجلاء الجرحى في جميع الأوقات، غير أن إسرائيل تضرب بهذه القوانين عرض الحائط عبر تحويل المعابر إلى مراكز للابتزاز والمنع وإن المطلوب الآن هو ضغط دولي فوري لفتح معبر رفح بشكل دائم ومستمر، وضمان ممر آمن لآلاف المرضى الذين يصارعون الموت، وإلا فإن العالم سيكون شريكاً في هذه الجريمة الصامتة التي تستهدف تصفية ما تبقى من مظاهر الحياة في قطاع غزة المكلوم.










