لا يبدو أن أمام الولايات المتحدة وإيران خيارات كثيرة سوى التوصل إلى اتفاق. هذه الحقيقة غير المعلنة منذ بداية الحرب، أصبحت أكثر وضوحًا مع اقتراب الأيام الأخيرة من الهدنة. ومع تصاعد الضغوط الميدانية والسياسية، يتحول التفاهم إلى ضرورة وليس خيارًا.
في الجانب الأمريكي، بدت الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد طويلة ومكثفة، لكنها حملت في طياتها محاولة واضحة لتعزيز أوراق الضغط. وجاء فرض الحصار على الموانئ الإيرانية سريعًا بعد ذلك، ما يشير إلى أن التصعيد كان مخططًا مسبقًا. الهدف لم يكن فقط التفاوض، بل فرض واقع جديد يرفع كلفة الرفض الإيراني.
ورغم أن آثار الحصار تحتاج وقتًا لتظهر بشكل كامل، إلا أن تحقيق نسبة تأثير جزئية كفيل بإلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد الإيراني. هذا الضرر يمتد أيضًا إلى حلفاء طهران، خاصة الدول التي تعتمد على نفطها. وهكذا تتحول الضغوط الاقتصادية إلى أداة تفاوضية حاسمة.
شروط واشنطن
تسعى الولايات المتحدة إلى اتفاق يعالج الملف النووي الإيراني بشكل جذري وطويل الأمد. وتتمثل أبرز مطالبها في وقف تخصيب اليورانيوم لفترة تصل إلى عشرين عامًا، ما يعني عمليًا تجميد البرنامج النووي الإيراني لجيل كامل. هذا الطرح يعكس رغبة في إزالة التهديد النووي بشكل شبه دائم.
كما تطالب واشنطن بإخضاع ما تبقى من القدرات النووية الإيرانية لرقابة دولية صارمة. وتشمل هذه الرقابة نقل اليورانيوم المخصب أو تخفيف درجة تخصيبه أو وضعه تحت إشراف دولي دائم. الهدف هو ضمان عدم إمكانية تحويل هذه المواد إلى سلاح نووي.
إلى جانب ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى استئناف دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التفتيش الكامل. هذا الشرط يرتبط بإعادة بناء منظومة التحقق التي كانت قائمة قبل الحرب. وبهذا، تريد واشنطن اتفاقًا يمنع التهديد ويضمن المراقبة المستمرة.
مطالب طهران
في المقابل، تتمسك إيران بحقها في السيادة وعدم تقديم تنازلات تمس جوهر برنامجها النووي. فهي توافق على وقف مؤقت للتخصيب، لكنها تريده محدودًا بخمس سنوات فقط. هذا الفارق الزمني يعكس فجوة كبيرة في الرؤى بين الطرفين.
كما تسعى طهران إلى تخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. فهذه العقوبات تمثل أحد أهم دوافعها للدخول في التفاوض. ومن دون مكاسب اقتصادية ملموسة، سيكون من الصعب تمرير أي اتفاق داخليًا.
وتطالب إيران أيضًا بالحفاظ على قدر من الردع العسكري في المنطقة. فهي تريد أن يُنظر إليها كقوة قادرة على الدفاع عن نفسها، لا كطرف مهزوم. لذلك، ترفض أي اتفاق يُفقدها هذا التوازن أو يُضعف نفوذها الإقليمي.
فجوة التفاصيل
رغم التباينات، تشير المعطيات إلى أن الخلافات لم تعد حول جوهر الاتفاق بقدر ما هي حول تفاصيله. فقد اقترب الطرفان من تفاهمات مبدئية في بعض الملفات، مثل إعادة فتح الممرات البحرية. هذا التقارب يعزز فرص الوصول إلى صيغة مشتركة.
وتبرز مسألة الأرقام كأحد محاور الخلاف الأساسية، سواء في مدة وقف التخصيب أو حجم تخفيف العقوبات. وغالبًا ما تكون هذه النقاط قابلة للتفاوض عبر حلول وسط. ما يعني أن العقبات ليست مستعصية بالكامل.
كما تلعب اللغة الدبلوماسية دورًا في تضخيم أو تقليل حجم الخلافات. ففي بعض الأحيان يتم الحديث عن تقدم رغم التعثر، أو العكس، لأهداف تفاوضية. وهذا يعكس طبيعة التفاوض المعقدة بين الطرفين.
عامل الاحتلال
يبقى دور الاحتلال أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار الاتفاق. فإيران تطالب بوقف استهداف حلفائها في المنطقة، خاصة في لبنان. وترى أن استمرار هذه الضربات يقوض أي تفاهم محتمل.
في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة للتخلي عن حرية التحرك العسكري. فهي تفضل إبقاء الضغط على خصومها دون الانخراط في حرب شاملة. وهذا يخلق معادلة معقدة قد تؤثر على أي اتفاق.
كما أن الملف اللبناني مرشح لأن يُفصل عن الاتفاق الرئيسي. بحيث تستمر التوترات فيه بوتيرة أقل، دون أن تعرقل التفاهم الأكبر. هذا السيناريو يعكس محاولة احتواء الخلافات بدل حلها جذريًا.
إيران وأمريكا وحسابات القوة
في العمق، لا يريد أي من الطرفين الظهور بمظهر الخاسر. فالولايات المتحدة تحتاج إلى اتفاق يمكن تسويقه داخليًا كإنجاز سياسي. خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
أما إيران، فترى أن صمودها خلال الحرب يمنحها موقعًا تفاوضيًا أفضل. وهي تريد اتفاقًا يعكس قدرتها على التحدي وليس الاستسلام. لذلك، تركز على الحفاظ على صورتها كقوة إقليمية.
وفي النهاية، تبدو العقبات أقرب إلى مسائل تتعلق بالهيبة والموقع السياسي. فكل طرف يسعى لإعلان النصر بطريقته. وهذا ما يجعل الاتفاق ممكنًا، لكنه معقد في تفاصيله.
مآلات الاتفاق
يبقى السؤال الأهم حول شكل إيران بعد أي اتفاق محتمل. فالبنية التحتية تعرضت لضرر كبير، ما قد يؤثر على قدراتها لسنوات. لكن في المقابل، أظهرت طهران قدرة على الصمود.
كما أن هناك تيارات ترى في امتلاك سلاح نووي ضمانة للأمن. وهو ما قد يعقد أي التزام طويل الأمد بالاتفاق.
وفي المحصلة، قد ينجح الاتفاق في تقليص القدرات النووية الإيرانية. لكنه قد يخلق تحديات جديدة على المدى البعيد. ما يعني أن تداعيات هذه الحرب لم تتضح بالكامل بعد.










