تأتي الجولة الثانية من المفاوضات التي تستضيفها باكستان في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تتشابك ملفات الأمن والسياسة والطاقة في واحدة من أكثر العلاقات توترًا في العالم، وهي العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. هذه العلاقة التي اتسمت لعقود بالعداء والتصعيد، تمر اليوم بمرحلة دقيقة، تتأرجح فيها بين محاولات التهدئة واحتمالات الانفجار.
الجولة الأولى من هذه المفاوضات لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة، لكنها نجحت في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وهو ما يُعد بحد ذاته إنجازًا في ظل انعدام الثقة العميق بين الطرفين. ومع ذلك، فإن التوقعات من الجولة الثانية تبدو أعلى، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية لتفادي أي مواجهة مباشرة قد تكون لها تداعيات كارثية على المنطقة بأكملها.
دور الوسيط
تلعب باكستان دور الوسيط في هذه المفاوضات، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع كل من واشنطن وطهران. هذا الدور ليس جديدًا على إسلام آباد، التي سعت في مناسبات سابقة إلى تخفيف حدة التوترات الإقليمية، لكنها تواجه هذه المرة اختبارًا أكثر تعقيدًا، نظرًا لحساسية الملفات المطروحة.
الوساطة الباكستانية تقوم على مبدأ “خفض التصعيد مقابل خطوات متبادلة”، إلا أن نجاح هذا النهج يعتمد بشكل كبير على مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، وهو أمر لا يبدو مضمونًا حتى الآن. فكل من الولايات المتحدة وإيران يدخلان المفاوضات بحسابات دقيقة، تحكمها اعتبارات داخلية وخارجية على حد سواء.
ملفات شائكة
تتعدد القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، الذي يشكل نقطة الخلاف الأساسية بين الطرفين. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، تصر إيران على حقها في تطوير برنامجها لأغراض سلمية، وترفض ما تعتبره “ضغوطًا غير مبررة”.
إلى جانب ذلك، هناك ملفات أخرى لا تقل تعقيدًا، مثل العقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي لإيران، والتوترات في مناطق متعددة من الشرق الأوسط. هذه القضايا مجتمعة تجعل من الصعب تحقيق اختراق سريع، حيث يتطلب أي تقدم معالجة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
رهانات متضاربة
لكل طرف رهاناته الخاصة من هذه المفاوضات. فبالنسبة إلى واشنطن، تمثل هذه الجولة فرصة لاحتواء التصعيد ومنع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مكلفة. أما طهران، فترى في المفاوضات وسيلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة جزء من نفوذها الإقليمي، دون تقديم تنازلات جوهرية تمس سيادتها.
هذا التباين في الأهداف يضعف فرص التوصل إلى اتفاق شامل، لكنه لا يمنع إمكانية تحقيق تفاهمات جزئية، قد تسهم في كسر حالة الجمود وفتح الباب أمام جولات لاحقة أكثر تقدمًا. ومع ذلك، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه تبقى رهينة بالتوازنات الدقيقة داخل كل من البلدين، حيث تلعب السياسة الداخلية دورًا حاسمًا في تحديد سقف التنازلات الممكنة.
بين الجمود والانفراج
تقف الجولة الثانية من المفاوضات عند مفترق طرق حساس، حيث تبدو فرص النجاح قائمة لكنها محدودة. فالتاريخ القريب للعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يشير إلى أن الثقة المفقودة لا يمكن استعادتها بسهولة، وأن أي تقدم يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة.
في المقابل، فإن فشل هذه الجولة قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وربما يدفع نحو تصعيد جديد في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة. وبين هذا وذاك، تبقى الوساطة الباكستانية محاولة جادة، لكنها محفوفة بالمخاطر، في سعيها لتحقيق توازن دقيق بين خصمين يصعب جمعهما على طاولة واحدة، فضلًا عن إقناعهما بتقديم تنازلات متبادلة.









