بينما كانت المنطقة تترقب بزوغ فجر الأربعاء، كموعد لطي صفحة الحرب أو تجديد "أنفاس الهدنة"، دخل الخليج العربي رسمياً في مرحلة "الارتطام الكبير" مع انهيار مفاوضات إسلام آباد.
الأزمة التي بدأت فصولها في فبراير 2024، وصلت اليوم إلى نقطة اللاعودة؛ فبينما تقف طهران خلف جدار رفض "التفاوض تحت الحصار"، تمارس إدارة الرئيس الحالي "ترامب" سياسة حافة الهاوية عبر "قرصنة بحرية" علنية طالت السفينة "توسكا".
هذا المشهد يضع المنطقة بين فكي كماشة: تهدئة ولدت ميتة في الثامن من أبريل نتيجة نقض العهود الأمريكية، وتهديدات عسكرية صريحة باستئناف الضربات الجوية، مما يجعل من مياه الخليج ساحة لمواجهة وجودية تتجاوز في أبعادها حدود الصراع الإقليمي لتطال أمن الطاقة العالمي برمته.
إن حالة "السيولة الأمنية" التي تضرب المنطقة منذ دخول الهدنة يومها الرابع عشر، تعكس استراتيجية أميركية مباشرة تهدف إلى انتزاع تنازلات سيادية من طهران عبر سلاح التجويع البحري.
ووفقا لتقارير صحفية دولية، فإن الاحتلال الإسرائيلي يلعب دور "المُحرّض الرئيسي" في هذا الصراع، حيث يضغط رئيس الأركان "إيال زامير" على البيت الأبيض لعدم تقديم أي تنازلات، معتبراً أن إيران في أضعف حالاتها.
هذا التحريض الصهيوني، المتزامن مع فشل واشنطن في الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان كما نصت بنود الهدنة العشرة، أدى إلى قناعة إيرانية راسخة بأن المسار الدبلوماسي بات مجرد "فخ" لإعادة تموضع القوات الأمريكية وشركائها، مما دفع طهران لإعلان القطيعة الرسمية مع طاولة إسلام آباد مساء الحادي والعشرين من أبريل.
فتيل الانفجار
تُعد حادثة السفينة الإيرانية "توسكا" في بحر عُمان، التي وقعت في التاسع عشر من أبريل، هي الشرارة التي أحرقت ما تبقى من آمال في تمديد الهدنة. وبحسب بيان القيادة المركزية الأميركية، فإن "سنتكوم" أطلقت النار على السفينة تحت ذريعة اختراق الحصار، وهو ما وصفته وكالة "تسنيم" بأنه عمل عدواني ينسف جوهر التفاهمات التي رعتها باكستان.
هذا الحادث لم يكن عابراً، بل كان رسالة ميدانية من "ترامب" بأن الهدنة لا تشمل الممرات المائية، وهو ما دفع طهران للتلويح مجدداً بإغلاق مضيق هرمز بشكل دائم. ويرى مراقبون أن سيطرة القوات الأميركية على السفينة وتحويل حمولتها لـ "جائزة" هو تكريس لمنطق الغاب الذي تعتمده الإدارة الأميركية الحالية، مما يجعل من استئناف القتال خياراً يفرضه الميدان قبل أن تقرره الغرف المغلقة.
وعلى الصعيد السياسي، جاء تأجيل رحلة نائب الرئيس الأميركي "جاي دي فانس" إلى إسلام آباد "إلى أجل غير مسمى" ليؤكد أن المسار الدبلوماسي قد فارق الحياة إكلينيكياً. ووفقاً لموقع "أكسيوس"، فإن هذا التأجيل يعكس فشل واشنطن في الحصول على "استسلام إيراني" مسبق، وهو ما دفع "ترامب" للعودة إلى نغمة التهديد عبر منصته "تروث سوشال"، معلناً أن الجيش على أهبة الاستعداد لاستئناف هجماته. إن هذا التخبط الأميركي، بين إعلان تمديد الهدنة "بطلب باكستاني" وبين التلويح بالضربات الجوية، يكشف عن مأزق البيت الأبيض الذي يواجه انقساماً داخلياً في طهران ورفضاً إقليمياً لسياسات الهيمنة، مما يجعل من الساعات القادمة حاسمة في تحديد هوية "الزلزال" القادم في المنطقة.
خيارات الرد
تجد إيران نفسها اليوم أمام خيار "الدفاع النشط" بعد أن أبلغت الوسيط الباكستاني صراحةً بأن وفدها لن يحضر مفاوضات الأربعاء، نظراً لعدم وجود أي آفاق جدية للحل في ظل استمرار الحصار. وبحسب تقارير لوكالة الأنباء القطرية، فإن طهران تضع "كسر الحصار" شرطاً أساسياً لأي حوار، معتبرة أن أميركا هي من بدأت بـ "نقض العهد" عبر استثناء لبنان من التهدئة ومواصلة المجازر منذ أكتوبر 2023.
إن هذا الموقف الإيراني المتصلب يسعى لفرض توازن رعب جديد؛ فإما رفع كامل للقيود البحرية أو تحويل الخليج إلى "بحيرة نار" لا يمكن لسفن الطاقة العبور منها، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار، خاصة مع تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 100 دولار فور تأكيد انهيار المحادثات.
في المقابل، تواصل إسرائيل والولايات المتحدة التنسيق لـ "اليوم التالي للهدنة"، حيث تشير التقارير إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي في حالة استنفار قصوى بانتظار إشارة البدء من واشنطن.
ووفقا لتقرير صادر عن "أخبار اليوم"، فإن "ترامب" يحاول استثمار الوقت لإجبار طهران على تقديم مقترح موحد يشمل التنازل عن البرنامج النووي والصاروخي، وهو ما تراه القيادة في طهران "انتحاراً سيادياً".
إن الخليج اليوم لا يقف بين التهدئة والتهديد فحسب، بل هو في قلب "حرب استنزاف" مفتوحة، حيث تحولت الهدنة من جسر للسلام إلى أداة لزيادة الضغط، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية قد تشهد استهدافاً مباشراً للمصالح الأميركية في المنطقة رداً على "قرصنة" السفينة توسكا واستمرار حصار الموانئ.










