دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الأربعاء، إلى ضرورة التشدد في تنفيذ التدابير الأمنية التي أقرّها مجلس الوزراء في بيروت، مع التأكيد على رفع مستوى الجاهزية من خلال زيادة انتشار القوى العسكرية والأمنية في العاصمة ومختلف المناطق اللبنانية.
وجاءت هذه الدعوة في سياق سعي رسمي إلى ضبط الأوضاع الداخلية، خصوصًا في ظل التحديات المتراكمة التي يواجهها البلد على الصعيدين الأمني والاجتماعي، حيث شدد عون على أهمية التنسيق الكامل بين مختلف الأجهزة الأمنية، بما يضمن تكامل أدوارها وتحقيق المصلحة العامة للمواطنين، مع إيلاء اهتمام خاص بأوضاع النازحين الذين يشكلون أحد أبرز الملفات الحساسة في المرحلة الراهنة.
وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، جاءت تصريحات عون خلال ترؤسه اجتماعًا أمنيًا في قصر بعبدا، حيث ركّز على ضرورة الانتقال من الإجراءات النظرية إلى التنفيذ الصارم على الأرض. ويعكس هذا التوجه إدراكًا رسميًا بأن الاستقرار الأمني لم يعد يحتمل التراخي، في ظل ما تشهده بعض المناطق من توترات متقطعة ومخاوف من تفلت الأوضاع في حال غياب الحزم في تطبيق القرارات الحكومية.
ملاحقة السلاح غير الشرعي
في سياق متصل، شدد عون على ضرورة تكثيف عمليات دهم المواقع التي يُشتبه في احتوائها على مخازن أسلحة، استنادًا إلى المعلومات التي ترد إلى الأجهزة المختصة، مؤكدًا أن أي تهاون في هذا الملف من شأنه أن يهدد الأمن الداخلي بشكل مباشر. كما دعا إلى منع جميع المظاهر المسلحة دون استثناء، في رسالة واضحة تفيد بأن الدولة تسعى إلى احتكار السلاح وضبط أي مظاهر قد تشير إلى تعدد مراكز القوة خارج الإطار الرسمي.
ويأتي هذا التشديد في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتشار السلاح غير المنضبط داخل بعض المناطق، وهو ما يطرح تحديات إضافية أمام الدولة اللبنانية التي تحاول إعادة فرض هيبتها. ويُفهم من خطاب عون أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات حاسمة، خصوصًا أن أي تساهل قد ينعكس سلبًا على السلم الأهلي، الذي وصفه بأنه خط أحمر لا يمكن المساس به تحت أي ظرف.
السلم الأهلي خط أحمر
أكد الرئيس اللبناني أن الحفاظ على السلم الأهلي يمثل أولوية مطلقة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد، محذرًا من أن أي جهة تحاول عرقلة تنفيذ الإجراءات الأمنية أو الإخلال بالاستقرار ستواجه بحزم. وقال إن الظروف الحالية لا تسمح بأي نوع من الفوضى أو التجاوزات، في إشارة إلى حساسية الوضع الداخلي وتعقيداته.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقًا لخطورة الانزلاق نحو توترات داخلية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضغط على المجتمع اللبناني. ومن هنا، تبدو دعوة عون بمثابة محاولة لإعادة تثبيت قواعد الاستقرار، ومنع أي انزلاقات قد تعيد البلاد إلى مشاهد عدم الاستقرار التي عرفتها في مراحل سابقة.
دور الجيش الميداني
أشاد عون بالإجراءات التي اتخذها الجيش اللبناني على الأرض، خاصة في ما يتعلق بإعادة فتح الطرق المتضررة، وترميم الجسور، وتسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم في ظروف آمنة. واعتبر أن هذه الخطوات تعكس الدور الحيوي للمؤسسة العسكرية في الحفاظ على تماسك الدولة، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضًا من خلال مساهمتها في إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.
ويبرز هذا التقدير الرسمي أهمية الجيش كأحد الأعمدة الأساسية للاستقرار في لبنان، خصوصًا في ظل محدودية الإمكانات المتاحة للدولة. كما أن تسهيل عودة النازحين يشير إلى توجه رسمي لمعالجة هذا الملف بشكل تدريجي، بما يخفف من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على المدن والمناطق المستضيفة.
خيار التفاوض
في سياق آخر، أوضح عون أن موقف لبنان في المفاوضات المرتقبة يقوم على ثوابت واضحة، تتمثل في رفض أي تنازل يمس السيادة أو يضر بمصلحة اللبنانيين. وأكد أن خيار التفاوض لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة قراءة لتجارب الماضي التي أثبتت، بحسب تعبيره، أن الحروب لا تخلّف سوى الدمار والقتل والتهجير.
وأشار إلى أنه كان يدرك مسبقًا حجم الاعتراضات التي قد تواجه هذا الخيار، بما في ذلك حملات التشكيك والاتهامات، إلا أنه يرى فيه المسار الأكثر أمانًا للبنان، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو الطائفية. ويعكس هذا الطرح محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على الثوابت الوطنية وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مكلفة.
بين الواقعية والتحديات
تكشف مواقف عون عن توجه يجمع بين الحزم الأمني والبراغماتية السياسية، حيث يسعى إلى ضبط الداخل من جهة، وفتح قنوات للحلول السياسية من جهة أخرى. إلا أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تنفيذ قراراتها على الأرض، في ظل واقع معقد تتداخل فيه العوامل الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يبدو أن المرحلة المقبلة ستختبر مدى قدرة لبنان على الحفاظ على استقراره، وسط تحديات متشابكة تتطلب إدارة دقيقة وحذرًا سياسيًا، خاصة أن أي اختلال في التوازن قد ينعكس سريعًا على المشهد الداخلي بكل مكوناته.










