حذّر مدير الإغاثة الطبية في جنوب قطاع غزة، الدكتور بسام زقوت، من تدهور غير مسبوق وخطير في واقع المنظومة الصحية، مؤكداً في تصريحات صحافية أن القطاع الطبي بات يعمل بهيكل شكلي يفتقر إلى المضمون الفعلي، نتيجة الشلل التشخيصي الواسع والقيود المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح زقوت أن المنظومة الصحية تحولت إلى "منظومة حد أدنى" تعتمد كلياً على حلول ارتجالية وبسيطة للتعامل مع الإصابات والأمراض، في وقت يمنع فيه الاحتلال دخول الأجهزة الحيوية والتخصصية التي تمثل عصب العمل الطبي، مشيراً إلى أن ما يُسمح بدخوله هو مجرد أدوات استهلاكية بسيطة لا تفي بالاحتياجات المتزايدة لمجتمع يعاني من ويلات الحرب والحصار المستمر منذ أكتوبر 2023، رغم إعلانات وقف إطلاق النار التي لم تترجم إلى واقع إنساني ملموس على الأرض.
شلل في القدرات التشخيصية وأزمة دوائية تفتك بمرضى الأورام والقلب
كشف الدكتور بسام زقوت عن واقع صادم يتمثل في التعطل شبه الكامل للقدرات التشخيصية في مستشفيات وعيادات الجنوب، حيث تغيب الأجهزة الأساسية مثل أجهزة تخطيط القلب، وفحوص الهرمونات، وأدوات الكشف المبكر عن السرطان، وهو ما يعني بقاء المرضى دون تشخيص دقيق أو متابعة علاجية ناجعة.
وبالتوازي مع هذا الشلل التقني، يواجه القطاع أزمة دوائية حادة تشمل انقطاعاً تاماً لأدوية الأمراض المزمنة ونقصاً كبيراً في المضادات الحيوية المنقذة للحياة، وصولاً إلى غياب أدوية السرطان التي يعتمد عليها آلاف المرضى، وبيّن زقوت أن الكوادر الطبية باتت مضطرة للتعامل مع الحالات وفق خيارات علاجية محدودة جداً ومبتورة، في ظل غياب حلقات العلاج المتكاملة، مما ينعكس سلباً على جودة الخدمات الصحية ويؤدي إلى تفاقم الحالات المرضية التي كان من الممكن علاجها بجهد بسيط لو توفرت الإمكانيات.
التحذيرات البيئية.. وباء قادم في ظل الاكتظاظ وتلوث المياه
لم تتوقف تحذيرات مدير الإغاثة الطبية عند الجانب العلاجي فحسب، بل امتدت لتشمل التداعيات البيئية والصحية الخطيرة الناتجة عن انهيار الأوضاع المعيشية في غزة.
وأشار زقوت إلى أن نقص المياه النظيفة، وتراكم النفايات الصلبة بين خيام النازحين، والاكتظاظ الهائل في مراكز الإيواء، كلها عوامل تهيئ التربة الخصبة لانتشار أمراض وأوبئة فتاكة يصعب السيطرة عليها في ظل ضعف الإمكانات الطبية الحالية.
ويأتي هذا التحذير متناغماً مع ما أعلنه وكيل وزارة الصحة، ماهر شامية، الذي نبه إلى المخاطر الكبيرة التي تهدد حياة السكان نتيجة تدمير المرافق الطبية الممنهج، حيث تشير بيانات وزارة الصحة إلى تدمير أكثر من 1800 مرفق صحي منذ بداية العدوان، مع تقدير الخسائر المادية المباشرة في هذا القطاع وحده بنحو 1.4 مليار دولار، وهو ما يجعل عملية الإنعاش الطبي في غزة معقدة وتحتاج إلى سنوات من العمل الدولي المكثف.
غزة 2026.. استمرار القصف والحصار يفرغ "الهدنة" من مضمونها
على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إلا أن الواقع في أبريل 2026 يظهر استمرار العمليات العسكرية والقصف وسقوط الضحايا بشكل يومي، مما يبقي الضغط على المنظومة الصحية في ذروته.
إن استمرار الحصار المفروض يمنع دخول المواد اللازمة لإعادة إعمار ما دمره الاحتلال، ويبقي المستشفيات في حالة عجز دائم عن تقديم الخدمات الجراحية والتخصصية الكبرى.
وتؤكد هذه التحذيرات الطبية أن قطاع غزة لا يزال يعيش كارثة إنسانية متدحرجة، حيث يقتل الحصار ونقص الدواء ما عجزت آلة الحرب عن قتله بالرصاص، ويبقى المجتمع الدولي مطالبًا بالضغط الحقيقي لفتح المعابر وإدخال الأجهزة الطبية فورًا، لإنقاذ ما تبقى من هيكل المنظومة الصحية وضمان حق الفلسطينيين في غزة في الحصول على الرعاية الطبية الأساسية التي كفلتها كافة الشرائع والقوانين الدولية.









