أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، اليوم الأربعاء، عن تحديث جديد ومؤلم للحصيلة التراكمية لضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر، كاشفة عن أرقام تعكس فداحة الجريمة المرتكبة بحق النسيج البشري في القطاع المنكوب.
ووفقاً للتقرير اليومي للوزارة، فقد استقبلت المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية شهيدين وأربعة مصابين، مما يؤكد أن وتيرة القتل لا تزال حاضرة في المشهد اليومي رغم الحديث عن تفاهمات التهدئة.
إن هذه الأرقام، وإن بدت منخفضة في سياق اليوم الواحد، إلا أنها تمثل استمراراً لسياسة القضم البشري التي يمارسها الاحتلال، حيث تضاف هذه الأرواح إلى قائمة طويلة من الضحايا الذين سقطوا في حرب وصفت بأنها الأشد فتكاً بالمدنيين في القرن الحادي والعشرين، وسط انهيار شبه كامل للمنظومات الصحية والخدمية التي تحاول الصمود أمام هذا التدفق الهائل من الجرحى والمصابين.
هدنة تحت الرصاص: ضحايا خروقات وقف إطلاق النار
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي، كانت الآمال معلقة على توقف النزيف، إلا أن بيانات وزارة الصحة ترسم صورة مغايرة تماماً للواقع الميداني، حيث سجلت الوزارة منذ ذلك التاريخ استشهاد 786 مواطناً وإصابة 2,217 آخرين.
هذه الإحصائية المرعبة لما بعد التهدئة تشير بوضوح إلى أن الخروقات الإسرائيلية باتت نهجاً ثابتاً، سواء عبر القنص المباشر في المناطق الحدودية، أو القصف المتقطع، أو استهداف طواقم العمل في المرافق الحيوية.
إن استمرار سقوط الشهداء بهذه الوتيرة في ظل "الهدنة" يضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات حتمية حول جدوى هذه الاتفاقيات في ظل انعدام الضمانات الحقيقية لحماية المدنيين، وحول مصير آلاف الجرحى الذين تضاعفت أوجاعهم نتيجة النقص الحاد في الكوادر الطبية والمستلزمات الجراحية الضرورية للتعامل مع إصاباتهم المعقدة.
تحت الأنقاض: المأساة المغيبة وعجز طواقم الانتشال
لا تتوقف مأساة غزة عند حدود من وصلوا إلى المشافي، بل تمتد لتشمل آلاف الضحايا الذين ما زالوا تحت أنقاض المباني المدمرة وفي الطرقات التي تمنع قوات الاحتلال الوصول إليها.
وقد أكدت وزارة الصحة في بيانها الأخير أن عدداً كبيراً من الضحايا لا يزالون في عداد المفقودين، حيث تعجز طواقم الدفاع المدني والإسعاف عن انتشالهم بسبب تدمير الآليات الثقيلة ونقص الوقود، بالإضافة إلى الرفض الإسرائيلي المستمر لتنسيق دخول الفرق الطبية إلى مناطق معينة.
وقد بلغت حالات الانتشال منذ وقف إطلاق النار 761 شهيداً، وهو رقم ضخم يعكس حجم الدمار الذي خلفه القصف السجادي للمربعات السكنية، ويؤكد أن الرقم المعلن للشهداء مرشح للزيادة الكبيرة بمجرد فتح الطرقات وإزالة الركام، مما يعني أن الحقيقة الكاملة لهول الفاجعة لم تكشف بعد بشكل نهائي.
التراكم التاريخي للضحايا: إبادة جيل كامل في غزة
بالعودة إلى الأرقام التراكمية منذ بداية العدوان في السابع من أكتوبر 2023، نجد أننا أمام كارثة ديموغرافية حقيقية، حيث وصل العدد الإجمالي للشهداء الموثقين في سجلات الوزارة إلى 72,562 شهيداً، فيما بلغت حصيلة الإصابات 172,320 مصاباً.
هذه الأعداد التي تتجاوز في مجموعها حاجز الربع مليون إنسان بين شهيد وجريح، تمثل صرخة مدوية في وجه الضمير العالمي، خاصة وأن أغلب هؤلاء هم من الأطفال والنساء الذين تعرضوا لاستهداف مباشر في منازلهم ومراكز نزوحهم.
إن بلوغ عدد الجرحى هذا الرقم الفلكي يضع ضغوطاً غير مسبوقة على ما تبقى من المستشفيات، حيث يعاني آلاف المصابين من بتر في الأطراف وتشوهات دائمة تتطلب رعاية طويلة الأمد لا تتوفر مقوماتها في القطاع حالياً، مما يهدد بتحول غزة إلى "مدينة للمعاقين" نتيجة الإصرار الإسرائيلي على استخدام أسلحة محرمة دولياً ذات قدرات تدميرية هائلة.










