أعلنت وزارة الحرب الإسرائيلية، اليوم الخميس، عن إبرام صفقات تسليحية جديدة مع شركة إلبيت سيستمز المحلية، بقيمة تجاوزت 600 مليون شيكل. وجاء هذا الإعلان في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على تل أبيب بسبب الحرب المستمرة على قطاع غزة. وتستهدف هذه الصفقات بالأساس توفير ذخائر جوية لسلاح الجو الإسرائيلي تحسباً لأي نقص مستقبلي.
وقد أوضحت الوزارة أن هذه الصفقات تأتي في إطار استعداد الجيش لسيناريوهات قتال فورية ومتعددة الجبهات. وأشارت إلى أن مديرية المشتريات الدفاعية أصدرت بالفعل طلبات متعددة السنوات لتوريد هذه الذخائر من الإنتاج المحلي. وتؤكد هذه الخطوة على قلق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من احتمالات تعطل سلاسل الإمداد الخارجية.
ويرى محللون عسكريون أن هذا القرار يعكس تحولاً في استراتيجية التسلح الإسرائيلية، التي اعتمدت لعقود على الواردات الخارجية. فالصفقة الكبيرة مع شركة محلية تهدف إلى خلق بديل صناعي وطني يقلص الفجوة في حال توقف الشحنات من الخارج. وهذا التوجه يكتسب أولوية قصوى في ظل تصاعد الحملات العالمية لمقاطعة إسرائيل عسكرياً.
ضغوط متصاعدة
ويأتي هذا التوجه الإسرائيلي في ظل تصاعد حراك دولي واسع يطالب بفرض حظر عسكري شامل على إسرائيل. وقد ترجمت عدة دول غربية هذه المطالب إلى قرارات فعلية خلال الأشهر الماضية، منها كندا وإيطاليا وإسبانيا التي أوقفت أو علقت تراخيص تصدير الأسلحة. كما فرضت كل من بريطانيا وألمانيا قيوداً صارمة على شحنات محددة من المعدات العسكرية إلى تل أبيب.
هذه القيود الغربية لم تأت من فراغ، بل على خلفية الحرب المدمرة على غزة والانتهاكات الميدانية التي يوثقها المراقبون الدوليون. وتخشى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن تتسع دائرة هذه القيود لتشمل حلفاء آخرين، مما قد يهدد مخزوناتها الاستراتيجية. لذلك تسعى وزارة الحرب إلى خلق ممرات بديلة للإمداد عبر تعزيز القدرات المحلية بشكل سريع وفعال.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن التحول نحو الإنتاج الداخلي لم يعد مجرد خيار بل تحول إلى ضرورة ملحة تفرضها المعطيات الميدانية والسياسية. فالاعتماد السابق على حلفاء موثوقين لم يعد مضموناً بنفس الدرجة، خاصة مع تنامي التيارات المؤيدة لحظر السلاح داخل برلمانات تلك الدول. وهذا ما دفع تل أبيب إلى البحث عن حلول استباقية تحمي قدراتها العسكرية من أي تقلبات خارجية.
اعتماد خارجي
ورغم هذا التوجه نحو التعزيز المحلي، تظل إسرائيل معتمدة بشكل كبير وكبير على الخارج في تلبية احتياجاتها التسلحية. فالإحصاءات الدولية تشير إلى أن إسرائيل تحتل المرتبة الخامسة عشرة عالمياً في قائمة مستوردي الأسلحة، بنسبة تقارب 2% من إجمالي واردات السلاح في العالم. وهذا الرقم يعكس عمق التغلغل العسكري الخارجي في بنية الجيش الإسرائيلي وهياكله الأساسية.
وتعد الولايات المتحدة المورد الأكبر لإسرائيل بفارق شاسع عن أي دولة أخرى، إذ تمثل صادراتها العسكرية 69% من إجمالي واردات تل أبيب. وتأتي ألمانيا في المرتبة الثانية بنسبة 30%، ثم إيطاليا بنحو 0.9%، إلى جانب دول أخرى مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا بنسب أقل. هذا التوزيع يكشف عن هشاشة محتملة في حال تعرض أي من هذه القنوات الكبرى للتعطيل أو التقييد.
ولذلك فإن أي توجه نحو الاستقلال التسليحي يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في ضرورة تعويض هذه النسب الكبيرة عبر صناعة محلية لم تنضج بعد بالقدر الكافي. فبناء قدرات بديلة تحتاج إلى وقت طويل واستثمارات ضخمة وكوادر بشرية متخصصة. وهذا ما يجعل الجيش الإسرائيلي في سباق مع الزمن لحماية أمنه التمويني قبل أن تفرض عليه العقوبات قسراً.
خطة ضخمة
وكانت حكومة الاحتلال قد أعلنت سابقاً، على لسان رئيسها بنيامين نتنياهو، عن خطة طموحة لتخصيص أكثر من 100 مليار دولار خلال العقد المقبل. وتهدف هذه الميزانية الضخمة إلى بناء صناعة ذخائر محلية متكاملة، وتقليل الاعتماد على الخارج بشكل تدريجي. ويشمل هذا المسار الاستراتيجي الحلفاء التقليديين أيضاً، وليس فقط الدول المعادية أو المحايدة.
ويأتي هذا الإعلان في ظل مؤشرات متزايدة على فرض قيود من بعض أقرب الحلفاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا. فالحرب على قطاع غزة أوجدت شرخاً في العلاقات العسكرية بين تل أبيب وعواصم غربية كانت تعتبرها حصوناً داعمة. وتصاعدت داخل هذه الدول الدعوات المطالبة بحظر تصدير السلاح وفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.
لذلك تعمل تل أبيب على تسريع وتيرة تنفيذ هذه الخطة، التي وصفها مسؤولون إسرائيليون بأنها مشروع أمني وجودي. فكلما زادت القدرات المحلية، قل خطر الابتزاز السياسي من قبل أي دولة مانحة قد تستخدم السلاح كورقة ضغط. وهذا التوجه يعكس تحولاً في العقلية الاستراتيجية الإسرائيلية نحو بناء قوة ذاتية، حتى لو كان الثمن باهظاً مادياً وتكنولوجياً.
دعم أمريكي لإسرائيل
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة تقديم دعم عسكري سنوي ثابت لإسرائيل يبلغ 3.8 مليارات دولار، وهو مبلغ محدد بموجب اتفاقية مذكرة التفاهم بين البلدين. ويخصص هذا الدعم بشكل رئيسي لشراء طائرات وذخائر ومعدات عسكرية متطورة، بالإضافة إلى تمويل برامج الدفاع الصاروخي المشتركة. وهذا المبلغ يجعل إسرائيل أكبر متلق للمساعدات العسكرية الأمريكية على الإطلاق.
وخلال العامين الماضيين فقط، تضاعفت قيمة هذا الدعم بشكل غير مسبوق، حيث أنفقت واشنطن نحو 32 مليار دولار لدعم إسرائيل عسكرياً. ومن هذا المبلغ الضخم، تم تحويل 21.7 مليار دولار مباشرة إلى جيش الاحتلال، أي ما يعادل أكثر من ستة أضعاف التمويل السنوي المعتاد. وهذه الأرقام تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، رغم الإيقافات المؤقتة لبعض الشحنات.
فالولايات المتحدة تظل الحليف الأكثر ولاءً لإسرائيل في المجال العسكري، لكن حتى هذا الولاء بدأت تظهر فيه شروخ تحت ضغط الرأي العام العالمي والداخلي. فالقرارات الأمريكية بتعليق شحنات محددة من القنابل الثقيلة تشير إلى وجود خطوط حمراء جديدة. وهذا ما يزيد القلق الإسرائيلي ويدفع بقوة نحو خيار الاستقلال التسليحي كحل استراتيجي طويل الأمد.
تكلفة باهظة
وفي حال تقليص هذه المساعدات الأمريكية بشكل جذري، ستحتاج إسرائيل إلى تعويض نحو 3.3 مليارات دولار سنوياً، وهو مبلغ ضخم مقارنة بحجم اقتصادها. وهذا المبلغ يعادل حوالي 0.6% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو رقم قد لا يبدو كبيراً للوهلة الأولى لكنه يمثل عبئاً حقيقياً على الموازنة العامة. وسيؤثر هذا العبء سلباً على قطاعات حيوية أخرى كالتعليم والصحة والبنية التحتية.
فالموازنة الإسرائيلية تعاني أصلاً من عجز متصاعد بفعل تكاليف الحرب المستمرة والإنفاق الدفاعي المتزايد. وأي تحويل إضافي للموارد نحو شراء أسلحة بديلة محلياً سيعني تقليصاً في برامج تنموية واجتماعية ضرورية. وهذا ما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة صعبة بين الأمن والرفاه، مع توقعات باحتجاجات شعبية واسعة في حال تدهورت الخدمات الأساسية.
لذلك فإن الاستقلال التسليحي ليس خياراً اقتصادياً سهلاً أو مجرد قرار عسكري يمكن تنفيذه بسلاسة. فإضافة إلى الكلفة المالية المباشرة، هناك تكاليف غير مباشرة تتعلق بفقدان التكنولوجيا المتطورة التي توفرها الصفقات مع الحلفاء. وهذا ما يجعل الطريق نحو التصنيع المحلي طويلاً ومليئاً بالعقبات المالية والسياسية والتقنية في آن واحد.
مسار معقد
ويرى مراقبون محايدون أن خيار الاستقلال التسليحي الذي تتبناه إسرائيل حالياً يطرح كمسار استراتيجي شديد التعقيد والخطورة. فمن جهة، يمنح هذا الخيار تل أبيب هامشاً أوسع باتخاذ قراراتها العسكرية بعيداً عن الضغوط أو الابتزاز الخارجي. ومن جهة أخرى، ينطوي هذا التوجه على كلفة مالية وسياسية وأمنية متعددة الأوجه لا يمكن تجاهلها.
فالاستغناء عن الأسلحة المستوردة، خاصة من الولايات المتحدة وألمانيا، يعني فقدان التحديث التقني المستمر الذي توفره هذه الدول. كما أن بناء صناعة محلية متكاملة يحتاج إلى عقود من التجارب والبحث والتطوير، وهو ما لا يمكن اختصاره في سنوات قليلة حتى بمليارات الدولارات. وهذا الفارق الزمني قد يشكل ثغرة استراتيجية يستغلها أعداء إسرائيل في المرحلة الانتقالية الخطيرة.
وفي المحصلة، سينعكس هذا المسار المعقد على توازنات المنطقة بأسرها، وعلى طبيعة العلاقة بين إسرائيل وحلفائها التقليديين. فكلما زادت قدرات إسرائيل الذاتية، قل تأثرها برغبات واشنطن أو لندن أو برلين، مما قد يغير قواعد اللعبة الإقليمية. وهذا التحول قد يؤدي بدوره إلى سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط، تزيد معه احتمالات المواجهات المباشرة وغير المباشرة.








