يتجه الذهب لتسجيل تراجع أسبوعي ملحوظ، منهياً بذلك سلسلة امتدت لأربعة أسابيع متتالية من المكاسب التي حققها المعدن الأصفر في ظل حالة عدم اليقين العالمية. وهذا التراجع يأتي في وقت يشهد فيه العالم تصاعداً خطيراً في المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهي المواجهة التي تهدد استقرار منطقة الخليج بأكملها. كما يعزى هذا الانخفاض إلى تعثر التقدم الملحوظ في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب على إيران، وهي الحرب التي خنقت إمدادات الطاقة العالمية ورفعت مخاطر التضخم إلى مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ سنوات طويلة.
واستقر المعدن النفيس الثمين دون مستوى 4 آلاف و700 دولار للأونصة، وذلك في تعاملات اليوم الجمعة، بعد أن فقد نحو 3% من قيمته خلال الأسبوع الجاري وحده. وهذا المستوى يعتبر نفسياً مهماً للمستثمرين والمتعاملين في أسواق المعادن الثمينة، إذ يمثل منطقة دعم رئيسية قد يحدد كسرها مسار الذهب للأشهر القادمة. والمثير للقلق أن التراجع جاء سريعاً وحاداً، مما يعكس تغيراً في المشاعر تجاه الملاذات الآمنة، التي عادة ما ترتفع في أوقات الحروب والأزمات، لكنها هذه المرة تتراجع رغم استمرار القتال.
وتواصل كل من الولايات المتحدة وإيران فرض حصار بحري متبادل على الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر المائي الأكثر أهمية لصادرات النفط العالمية. وقد أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البحرية الأمريكية بإطلاق النار مباشرة على أي قارب يزرع ألغاماً بحرية في مضيق هرمز، مما يرفع منسوب التوتر إلى درجات خطيرة وغير مسبوقة. وفي تطور لافت، اعترض الجيش الأمريكي ناقلتين عملاقتين للنفط حاولتا تجاوز الجهود الأمريكية لمنع المرور من الموانئ الإيرانية وإليها، فيما هاجمت طهران ما لا يقل عن 3 سفن تجارية خلال هذا الأسبوع وحده.
تعثر المحادثات
وفقاً لعدد من المسؤولين الغربيين المطلعين على الجهود الدبلوماسية الجارية لإنهاء الحرب، فإن احتمال موافقة إيران على عقد مزيد من جولات محادثات السلام المباشرة مع الولايات المتحدة يبدو ضعيفاً ومتعثراً بشكل متزايد. ويعزى هذا التعثر بشكل أساسي إلى تهديدات الرئيس ترامب المتكررة، ومنشوراته الحادة والمثيرة للجدل على منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. فإيران تنظر إلى هذه التصريحات على أنها دليل على عدم جدية واشنطن في الوصول إلى حل سلمي، بل تعتبرها استمراراً لسياسة الضغط القصوى بالوسائل العسكرية والاقتصادية معاً.
وجاء تراجع الذهب هذا الأسبوع بعد موجة من التفاؤل السابق الذي ساد الأسواق، حين مدّد الرئيس ترامب وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى مما أعطى أملاً بإمكانية خفض التصعيد العسكري. لكن استمرار الحصار البحري على مضيق هرمز، الذي يقترب الآن من نهاية أسبوعه الثامن على التوالي، إلى جانب عودة التوترات المسلحة حول هذا الممر الحيوي، بدد كل آمال الهدوء. ونتيجة لذلك، دفعت هذه التطورات أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً، مما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي وأربك حسابات المستثمرين.
فالارتباط بين الذهب والنفط هذه المرة لم يأخذ المسار التقليدي المعتاد، حيث ارتفاع النفط يعني تضخماً أعلى، والتضخم الأعلى يزيد عادة من جاذبية الذهب كتحوط ضد تآكل العملات. لكن هذه المرة، المستثمرون يبدو أنهم يراهنون على أن البنوك المركزية سترفع أسعار الفائدة بشكل حاد لمواجهة التضخم، وهو ما يضر بالذهب الذي لا يدر عائداً. وهذه الديناميكية الجديدة غير المسبوقة تجعل من الصعب التنبؤ بسلوك الذهب في الأسابيع والأشهر القادمة، خاصة مع استمرار الحرب من جهة وتعثر المفاوضات من جهة أخرى.
الذهب ومخاطر التضخم
أدى الاضطراب الحاد في إمدادات الطاقة العالمية، بسبب إغلاق مضيق هرمز واستمرار المواجهات البحرية، إلى زيادة كبيرة ومتسارعة في مخاطر التضخم حول العالم. وهذا التضخم المرتفع يعزز بشكل قوي احتمال إبقاء البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، على أسعار الفائدة من دون تغيير لفترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً. بل إن بعض المحللين بدأوا يتحدثون عن إمكانية رفع الفائدة مجدداً، إذا استمرت الضغوط التضخمية في التصاعد دون سيطرة، وهو سيناريو كان يعتبر مستبعداً قبل أشهر قليلة فقط.
وهذا التوجه المحتمل للبنوك المركزية يشكل ضغطاً كبيراً ومباشراً على الذهب، الذي لا يدر أي عائد للمستثمرين الذين يحتفظون به. ففي بيئة ترتفع فيها أسعار الفائدة، يصبح الاحتفاظ بالذهب مكلفاً من حيث تكلفة الفرصة البديلة، حيث يمكن للمستثمرين وضع أموالهم في أصول أخرى تدر عوائد ثابتة كالسندات أو شهادات الإيداع المصرفية. ونتيجة لهذه المعادلة، فقد تراجع المعدن الأصفر بنحو 11% من قيمته منذ بداية الحرب على إيران، وهو تراجع كبير لم يشهده الذهب منذ سنوات عديدة، خاصة في ظل أزمة جيوسياسية بهذا الحجم.
وانخفض سعر الذهب الفوري في التعاملات الفورية بنسبة 0.1% ليصل إلى 4690.98 دولار للأونصة، وذلك بحلول الساعة 7:22 صباحاً بتوقيت سنغافورة، في حركة بطيئة لكنها ذات دلالة. كما تراجعت الفضة، التي تعتبر أخت الذهب الأقل ثمناً، بنسبة 0.1% لتستقر عند 75.34 دولار للأونصة، في تراجع متواضع يعكس حالة من الحذر في الأسواق. أما بالنسبة للبلاتين والبلاديوم، وهما معادن صناعية ونفيسة في آن، فلم يطرأ عليهما تغيير يُذكر مقارنة بجلسة أمس، بينما استقر مؤشر الدولار الفوري، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية، بعد أن أنهى الجلسة السابقة مرتفعاً بنسبة 0.2%.






