أفادت مصادر رفيعة المستوى في وزارة الخارجية الباكستانية لـ"الشرق"، بأنه من المتوقع وصول وفد أمريكي رسمي إلى العاصمة إسلام آباد خلال الـ36 ساعة المقبلة، وذلك في تطور دبلوماسي لافت.وسيأتي هذا الوفد تمهيداً للمشاركة المباشرة في جولة جديدة من المحادثات الحساسة مع الجانب الإيراني، والتي ترعاها باكستان وساطة وتنظيماً. وهذه الزيارة تمثل تتويجاً لجهود دبلوماسية باكستانية مكثفة استمرت لأسابيع، بهدف تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران في ملفات شائكة ومتعددة.
وأضافت المصادر الباكستانية أن التحضيرات اللوجستية والأمنية قد انطلقت بالفعل وبقوة لعقد الجولة الثانية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية كاملة. فباكستان تسعى إلى لعب دور المحايد النزيه الذي يجمع بين طرفين لا يثق كل منهما بالآخر، مستفيدة من علاقاتها الجيدة والمعتدلة مع كلا الجانبين. وقد أكدت المصادر أن الفريق اللوجستي والأمني الأمريكي المتقدم متواجد بالفعل في العاصمة الباكستانية منذ أيام، لدعم عملية الحوار المرتقبة وترتيباتها الميدانية.
وتأتي هذه الاستعدادات المكثفة في وقت حساس، إذ تشهد المنطقة حالة من التوتر والتصعيد العسكري، مما يزيد من أهمية أي جهد دبلوماسي يهدف إلى خفض التوتر. فباكستان ترى في نجاح هذه الوساطة تعزيزاً لدورها الدبلوماسي ورفعاً لشأنها الدولي. كما أن نجاح هذه المحادثات قد يفتح الباب أمام باكستان للوساطة في ملفات إقليمية أخرى عالقة، مما يعزز موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
حضور إيراني
في سياق متصل ومتناغم مع التحركات الأمريكية، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية بشكل رسمي أن الوزير عباس عراقجي سيتوجه إلى إسلام آباد في جولة إقليمية تشمل أيضاً سلطنة عمان وروسيا. وهذا التوقيت ليس صدفة، بل هو منسق ومخطط بالتشاور مع الجانب الباكستاني، لضمان وجود المسؤول الإيراني الأرفع في المكان نفسه الذي سيعقد فيه الاجتماع. فوجود عراقجي في العاصمة الباكستانية بالتزامن مع الوفد الأمريكي يخلق مناخاً مناسباً لإجراء محادثات وجهًا لوجه، أو على الأقل محادثات غير مباشرة عبر الوسطاء الباكستانيين.
ولم تحدد الخارجية الإيرانية ما إذا كان الوزير عراقجي سيجتمع مباشرة مع الوفد الأمريكي، أم ستكون الوساطة الباكستانية هي الحاضن والمنظم والحكم بين الطرفين. لكن المعروف أن طهران تفضل الوساطة غير المباشرة، على الأقل في الجولات الأولى، لاستكشاف نوايا الجانب الآخر دون التزامات مباشرة أو مواجهات إعلامية. وباكستان، بحكم علاقاتها المتوازنة وقربها الجغرافي والثقافي والديني من إيران، تعتبر وسيطاً مقبولاً لطهران، ربما أكثر من سلطنة عمان أو قطر أو غيرها من الوسطاء التقليديين.
كما أن جولة عراقجي التي تشمل روسيا إلى جانب باكستان وعمان، تشير إلى تنسيق إيراني – روسي واسع حول الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات مع أميركا. فروسيا حليف استراتيجي لإيران، وأي تنازلات أو تفاهمات مع واشنطن يجب أن تكون منسقة مع موسكو، التي قد تتأثر مصالحها بأي اتفاق أمريكي – إيراني. وهذه الجولة الثلاثية (باكستان – عمان – روسيا) تظهر أن إيران تتعامل مع المفاوضات بجدية، لكنها أيضاً تحافظ على تحالفاتها ولا تريد أن تفاجأ بتطورات لا تخدم مصالحها الاستراتيجية.
دور روسي
لاحقاً، وبالتزامن مع هذه التحضيرات، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية رسمياً أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، أجرى اتصالاً هاتفياً مهماً مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف. وناقش الوزيران خلال الاتصال العلاقات الثنائية المتنامية بين باكستان وروسيا، وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين. كما تناولا بإسهاب التعاون في المحافل الدولية المختلفة لدعم السلام والأمن الدوليين، وهو ملف تزداد أهميته في ظل حالة الفوضى الدولية المتصاعدة.
وذكرت الوزارة الباكستانية في بيانها الموجز أن الوزير لافروف "أشاد بشكل خاص بالدور البنّاء والمميز الذي تضطلع به باكستان في تيسير الحوار الصعب بين إيران والولايات المتحدة". هذا الإشادة الروسية ليست مجاملة دبلوماسية عابرة، بل تعكس دعماً روسياً صريحاً للوساطة الباكستانية، وتحذيراً غير مباشر لأي طرف قد يحاول عرقلة هذه الجهود. فروسيا تعتبر ملف إيران من أولوياتها الاستراتيجية، وأي نجاح دبلوماسي في هذا الملف سيكون له انعكاسات إيجابية على المصالح الروسية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز.
من جانبه، أكد الوزير الباكستاني إسحاق دار خلال الاتصال على عزم بلاده الثابت على مواصلة المساهمة الفاعلة في الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار والدبلوماسية البناءة لحل جميع القضايا العالقة. ولم يذكر دار أي تفاصيل إضافية عن طبيعة المحادثات المرتقبة، أو المواضيع المطروحة على الطاولة، وهي معلومات تبقى سرية حتى إشعار آخر. لكن الرسالة كانت واضحة: باكستان مستمرة في دورها كوسيط نزيه، ولديها إرادة سياسية حقيقية لتحقيق اختراق دبلوماسي في واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في العالم.
مفاوضات مصيرية
تأتي هذه الجولة الثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتزايد الضغوط الدولية والعسكرية على كلا الطرفين لحل الخلافات العالقة. فمن جهة، تعاني واشنطن من تعقيدات حربها الواسعة في الشرق الأوسط، ومن ضغوط داخلية وإقليمية لخفض التصعيد وإعادة الاستقرار إلى منطقة الخليج. ومن جهة أخرى، تعاني طهران من حصار اقتصادي خانق، وعقوبات دولية متعددة، وتداعيات الحرب المدمرة على اقتصادها ومجتمعها. لذلك فإن كلا الطرفين يحتاج إلى "مخرج دبلوماسي" يسمح له بالخروج من الأزمة دون خسارة ماء الوجه تماماً، وهذا هو الدور الذي تحاول باكستان لعبه.
وإسلام آباد لا تريد فقط تنظيم جولة ثانية من المفاوضات، بل تسعى إلى بناء آلية حوار مستدامة تعقد جولات متتالية حتى الوصول إلى تفاهمات ملموسة. فالهدف الباكستاني هو تحويل هذه المحادثات من "حدث مؤقت" إلى "عملية دبلوماسية متواصلة"، لها جدول أعمال وخطوات زمنية ومخرجات قابلة للقياس. وهذا يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمهارة الدبلوماسية، والسرية في فترات، والانفتاح الإعلامي في فترات أخرى، حسب مقتضيات المصلحة.
وينتظر العالم بأسره ما ستسفر عنه هذه الجولة الجديدة من المفاوضات، وسط آمال معقودة على الوساطة الباكستانية في تحقيق اختراق ولو محدود. فالنجاح لن يكون سهلاً، فالهوة بين الطرفين كبيرة، والثقة بينهما شبه معدومة، والتدخلات الإقليمية والدولية تجعل المهمة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. لكن إذا استطاعت باكستان أن تنجح حيث فشل آخرون، فسيكون ذلك إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً يضاف إلى سجلها الحافل، ويعزز مكانتها كقوة وساطة لا يستهان بها في عالم مضطرب.









