20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كارثة صحية في غزة: نقص الأدوية يهدد حياة آلاف المرضى والجرحى

يواجه قطاع غزة اليوم فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية التي لم تتوقف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث يشهد الواقع الدوائي تدهوراً غير مسبوق يلقي بظلاله

بقلم: محمد خميس
٢٥ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
23 مشاهدة
غزة

غزة

يواجه قطاع غزة اليوم فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية التي لم تتوقف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث يشهد الواقع الدوائي تدهوراً غير مسبوق يلقي بظلاله القاتمة على حياة آلاف المواطنين.

إن استمرار النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية لم يعد مجرد تحدٍ إداري، بل تحول إلى تهديد وجودي لقدرة المؤسسات الصحية على مواصلة تقديم خدماتها بالحد الأدنى، مما يضاعف من أوجاع الجرحى والمرضى الذين يفتقرون إلى أبسط مقومات الرعاية المتخصصة والعلاج اليومي الضروري للبقاء على قيد الحياة.

وفي تصريح صحفي مفصل اليوم السبت، كشف الدكتور علاء حلس، مدير الرعاية الصيدلانية في وزارة الصحة، عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة التي يعيشها القطاع الصحي، حيث أكد أن أكثر من 50% من قائمة الأدوية الأساسية أصبحت غير متوفرة بشكل كامل في مخازن الوزارة، بينما تجاوزت نسبة العجز في المستهلكات الطبية حاجز الـ 60%. 

هذه الفجوة الهائلة في التوريدات انعكست بصورة مباشرة وخطيرة على مختلف الأقسام داخل المستشفيات والمراكز الطبية التي باتت تصارع من أجل البقاء في ظل استنزاف الموارد المتاحة.

تداعيات الأزمة الدوائية

أوضح الدكتور حلس أن تداعيات هذه الأزمة لم تقتصر على قسم دون آخر، بل طالت جميع مفاصل الخدمة الصحية، بدءاً من الرعاية الأولية وصحة الأم والطفل، وصولاً إلى التخصصات الدقيقة والحساسة. 

ويعاني مرضى السرطان وأمراض الدم من نقص حاد في بروتوكولات العلاج الكيماوي، كما تأثرت خدمات الصحة النفسية وبرامج التطعيم، بالإضافة إلى الضغط الشديد على أقسام الطوارئ والعمليات الجراحية وزراعة الكلى وجراحات العظام، حيث تفتقر هذه الأقسام إلى المواد الأساسية اللازمة للتدخلات الجراحية المنقذة للحياة.

والأخطر من ذلك هو ما أشار إليه حلس بشأن التوقف الكامل لبعض الخدمات الطبية الحيوية، وعلى رأسها جراحات القلب المفتوح وعمليات القسطرة القلبية، وذلك بسبب فقدان المستلزمات الضرورية التي لا يمكن إجراء هذه العمليات بدونها. 

هذا التوقف يضع حياة مئات المرضى الذين يعانون من مشاكل قلبية حادة في خطر داهم، ويجعل من الوفاة نتيجة غياب المستلزمات الطبية أمراً وارداً في كل لحظة، مما يزيد من تعقيد الوضع الصحي العام داخل القطاع المحاصر.

تحديات غرف العمليات

وفي سياق متصل، شدد مدير الرعاية الصيدلانية على أن أقسام العمليات والعناية المركزة تواجه تحديات تقشعر لها الأبدان، حيث يعاني الأطباء من نقص كبير في أدوية التخدير والإنعاش القلي، وهي مواد لا يمكن استبدالها أو الاستغناء عنها في التعامل مع الحالات الطارئة والحرجة. إن غياب هذه المواد يضع الطواقم الطبية أمام خيارات مستحيلة وتحديات أخلاقية ومهنية صعبة، حيث يضطرون أحياناً للمفاضلة بين الجرحى أو إجراء تداخلات طبية في ظروف تفتقر لأدنى معايير السلامة الدوائية المتعارف عليها عالمياً.

أما فيما يخص مصادر التوريد، فقد بين حلس أن الشحنات التي تصل عبر منظمة الصحة العالمية تمثل حالياً الشريان الوحيد الذي يمد وزارة الصحة ببعض احتياجاتها، ولكن هذه الكميات تبقى محدودة للغاية وموسمية، ولا تواكب بأي حال من الأحوال حجم الاحتياجات المتزايدة والمتسارعة نتيجة استمرار الحرب وارتفاع أعداد الإصابات اليومية.

هذا النقص الحاد أدى إلى تفريغ الصيدليات الحكومية من أهم الأصناف التي يحتاجها مريض الأمراض المزمنة، مما يدفع المواطنين للبحث عن بدائل في القطاع الخاص الذي لا يقل حاله سوءاً عن القطاع العام.

معاناة القطاع الخاص

لا تقتصر الأزمة على المنشآت الحكومية فحسب، بل تمتد لتشمل الصيدليات والمراكز الطبية الخاصة التي تعاني من أزمة مشابهة نتيجة القيود الصارمة المفروضة على دخول الأدوية عبر المعابر. 

إن محدودية الكميات المسموح بإدخالها، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التنسيق والنقل، أدت إلى قفزات جنونية في أسعار الأصناف المتوفرة، مما زاد من الأعباء المالية على كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل، ليصبح الدواء بالنسبة للكثيرين حلماً بعيد المنال.

وحذر الدكتور حلس من أن استمرار هذا الواقع الدوائي المرير سيؤدي حتماً إلى مزيد من التراجع في جودة الخدمات الصحية، وسيهدد حياة الآلاف بشكل مباشر، مطالباً المؤسسات الدولية والإنسانية بالتحرك الفوري والضغط الجاد على سلطات الاحتلال لإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل منتظم وسريع. كما وجه نداءً عاجلاً إلى كافة الجهات العاملة في القطاع الصحي والمجتمع الدولي لإنقاذ المنظومة الصحية في غزة من الانهيار الكامل الذي بات يلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى.

حرب الاستنزاف الصحي

منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يعيش القطاع الصحي في غزة أزمة مركبة ومعقدة، حيث تعمدت قوات الاحتلال تدمير المنشآت الطبية واستهداف الكوادر الصحية، مما أدى إلى خروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة بشكل كلي، هذه الهجمات، تزامناً مع القيود المفروضة على دخول الإمدادات العلاجية والوقود، تسببت في استنزاف كامل للمخزون الدوائي الاستراتيجي، في وقت تواجه فيه المستشفيات المتبقية ضغطاً يفوق طاقتها الاستيعابية نتيجة التدفق المستمر للجرحى والمصابين.

وتأتي هذه الأزمة الدوائية في سياق حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" بدعم دولي واسع، والتي لم تترك شجراً ولا حجراً في قطاع غزة إلا وطاله الدمار. 

إن سياسة التجويع والحرمان من العلاج تعد أداة من أدوات هذه الحرب، حيث خلفت الإبادة أكثر من 244 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، فضلاً عن وجود آلاف المفقودين تحت الأنقاض، ومئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام تفتقر لأدنى المقومات الصحية، مما ينذر بانفجار وبائي وشيك يزيد من أعباء النظام الصحي المتهالك.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال