أصدرت منظمة التعاون الإسلامي بياناً شديد اللهجة أدانت فيه بأقسى العبارات قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي المصادقة على إنشاء مدرسة دينية يهودية في حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتأتي ضمن سلسلة من الإجراءات التصعيدية التي تهدف إلى طمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة.
وأكدت المنظمة في بيانها الصادر اليوم السبت، أن هذا التحرك الاستيطاني ليس مجرد عملية بناء عادية، بل هو جزء أصيل من سياسة التهويد الممنهجة التي تتبعها حكومة الاحتلال لتغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي والثقافي لشرقي القدس، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لوقف هذه التجاوزات التي تهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين بشكل مباشر.
سياسة التهويد وطمس الهوية العربية
أوضحت المنظمة أن المصادقة على هذا المشروع الاستيطاني في حي الشيخ جراح تعكس إصرار الاحتلال الإسرائيلي على الاستمرار في سياساته العدوانية الرامية إلى خلق واقع جديد على الأرض يصعب تغييره في المستقبل، حيث تسعى هذه السياسات إلى خنق الوجود الفلسطيني في القدس وتفتيت الوحدة الجغرافية للأحياء العربية المحيطة بالبلدة القديمة. و
أشارت إلى أن محاولات تغيير الطابع التاريخي والحضاري للمدينة لا تستهدف فقط المباني والمنشآت، بل تمتد لتشمل التاريخ والهوية التي يحاول الاحتلال تزييفها عبر زرع بؤر استيطانية ومؤسسات دينية يهودية في قلب الأحياء العربية التاريخية، وهو ما ترفضه كافة المواثيق الدولية التي تؤكد أن القدس مدينة محتلة ولا يجوز للقوة القائمة بالاحتلال إجراء أي تغييرات جوهرية فيها تؤثر على وضعها القانوني والسياسي.
تحذيرات من إشعال صراع ديني عالمي
حذرت منظمة التعاون الإسلامي من أن استمرار هذه الإجراءات الاستفزازية، وتحديداً في المناطق الحساسة مثل حي الشيخ جراح، من شأنه أن يؤدي إلى إشعال فتيل صراع ديني لا يمكن التنبؤ بتداعياته الخطيرة على المنطقة والعالم بأسره، حيث أن المساس بالمقدسات وتحويل الصراع من طابع سياسي وقانوني إلى طابع ديني مذهبي يهدد بدخول المنطقة في دوامة من العنف والتوتر التي لا تنتهي.
ولفتت المنظمة الانتباه إلى أن سياسات الاحتلال القائمة على الاستيطان، والتهجير القسري للسكان الأصليين من منازلهم، والاستيلاء على الممتلكات الخاصة والعامة، وهدم المنشآت الفلسطينية، هي كلها جرائم حرب تضاف إلى سجل الاحتلال الحافل بالانتهاكات، وتتطلب تحركاً دولياً عاجلاً وحازماً لحماية الشعب الفلسطيني ومقدساته من هذه التهديدات الوجودية المستمرة.
لا سيادة للاحتلال على القدس المحتلة
جددت المنظمة في بيانها التأكيد على الموقف الإسلامي والدولي الثابت بأن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، لا تملك أي سيادة قانونية أو تاريخية على مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وأن كافة القرارات والإجراءات التي تتخذها السلطات الإسرائيلية في المدينة هي باطلة ولاغية ولا تترتب عليها أي آثار قانونية ملزمة.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن الدولي والأطراف الدولية الفاعلة، إلى ممارسة ضغوط حقيقية وخطوات عملية على الأرض لإجبار الاحتلال على وقف هذه الانتهاكات غير القانونية، مشددة على أن الصمت الدولي تجاه ما يحدث في الشيخ جراح والقدس يشجع الاحتلال على المضي قدماً في خططه التوسعية وضرب عرض الحائط بكل التفاهمات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
تفاصيل المشروع الاستيطاني في الشيخ جراح
وفقاً للمعلومات المسربة حول المخطط الاستيطاني الجديد، فقد صادقت سلطات الاحتلال على إقامة مدرسة دينية يهودية ضخمة تنتمي للتيار "الحريدي" في قلب حي الشيخ جراح المهدد بالتهجير، حيث يتضمن المشروع بناء مجمع تعليمي وسكني ضخم يتكون من 11 طابقاً على مساحة إجمالية تقارب 5 دونمات.
ويقع هذا المشروع عند المدخل الجنوبي للحي، في موقع استراتيجي وحساس للغاية مقابل مسجد الشيخ جراح التاريخي، مما يجعله بمثابة بؤرة استيطانية كبرى تهدف إلى محاصرة الوجود الفلسطيني في تلك المنطقة الحيوية.
ويشمل المشروع غرفاً للسكن الداخلي تتسع لمئات الطلبة من المتطرفين الحريديم، بالإضافة إلى وحدات سكنية مخصصة لأعضاء الهيئة التدريسية، مما يعني إحلال مئات المستوطنين الجدد في منطقة كانت وستظل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية المقدسية.
انعكاسات خطيرة على الواقع الديموغرافي
ينظر المراقبون والمقدسيون ببالغ الخطورة إلى هذا المشروع، كونه يمثل تغييراً جذرياً في التكوين الديموغرافي والجغرافي لمنطقة الشيخ جراح، حيث يهدف الاحتلال من خلاله إلى خلق كثافة سكانية يهودية في قلب حي عربي خالص، مما يمهد الطريق لمزيد من عمليات مصادرة المنازل الفلسطينية المجاورة بحجة تأمين المستوطنين أو توسعة المرافق التابعة للمدرسة.
إن إنشاء مبنى بهذا الحجم (11 طابقاً) في منطقة تتميز بطابعها المعماري التقليدي المنخفض يهدف أيضاً إلى فرض هيمنة بصرية وجغرافية ترمز للسيطرة الإسرائيلية، وتؤدي إلى عزل الأحياء العربية عن بعضها البعض، وهو ما يندرج تحت مخطط "القدس الكبرى" الذي يسعى الاحتلال من خلاله إلى تفتيت الحلم الفلسطيني في جعل القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقلة في المستقبل.







