في ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية التي تعصف بالساحة الأمريكية، يبرز تساؤل جوهري حول مآلات استهداف المراكز السيادية أو الشخصيات ذات الثقل الجماهيري والسياسي، وتأثير ذلك على بنية الدولة العميقة واتجاهات قرارها العسكري والدبلوماسي.
وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، قدم الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، رؤية تحليلية وصفت هذه الاحتمالات بأنها "سيناريوهات عالية الحساسية"، مؤكداً أن تأثير أي حادث أمني من هذا النوع يعتمد بشكل جذري على طبيعته، وما إذا كان هجوماً رمزياً محدوداً أم واسع النطاق، فضلاً عن هوية الفاعل وتوقيت الحدث في الرزنامة السياسية الأمريكية المعقدة.
هيبة البيت الأبيض واختبار تماسك المؤسسة الحاكمة
يرى الدكتور عبدالرزاق الدليمي أن البيت الأبيض يتجاوز كونه مقراً رئاسياً ليصبح الرمز المركزي للدولة الأمريكية، وأي حادث يقع في محيطه يُفهم فوراً على أنه اختبار مباشر لهيبة النظام القائم.
وعلى المستوى السياسي، يشير الدليمي إلى ظاهرة "الالتفاف حول القيادة"، حيث تتوحد النخب السياسية مؤقتاً خلف الرئيس لمواجهة التهديد، إلا أن هذا التماسك غالباً ما يكون قصير الأمد وسرعان ما تطفو الانقسامات على السطح مجدداً.
هذه الانقسامات تتركز حول مسؤولية الإخفاق الأمني وكيفية توظيف الحادث سياسياً، مما قد يؤدي إلى تصاعد الصراعات بين المؤسسات الكبرى كالكونغرس والأجهزة الأمنية والإدارة حول الصلاحيات الرقابية، وهو ما قد يزعزع الاستقرار السياسي الداخلي لفترات طويلة.
التحولات الأمنية والمؤسسية في مواجهة التهديد
يؤكد الدكتور الدليمي أن الاستجابة الأمنية لأي تهديد يمس العاصمة واشنطن تتسم بالسرعة والصرامة، حيث يتم فرض إجراءات مشددة حول المؤسسات السيادية، مع توسع ملحوظ في صلاحيات الأجهزة الاستخبارية، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الحريات العامة للمواطنين.
وفي حال كان التهديد داخلياً، مثل التطرف المحلي، فإن عقيدة الأمن الداخلي تخضع لإعادة تقييم شاملة. ومع ذلك، يطمئن الدليمي إلى أن النظام الأمريكي مصمم بمرونة عالية تضمن استمرارية الحكم وفصل السلطات، مما يجعل الانهيار المؤسسي الكلي أمراً غير مرجح، لكن الضرر الحقيقي يكمن في تعميق الاستقطاب السياسي إذا ما تم استغلال الحدث لتصفية حسابات حزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين.
استهداف شخصية بحجم ترامب وتوجهات الحرب والسلام
ينتقل الدكتور عبدالرزاق الدليمي في تحليله إلى سيناريو استهداف شخصية ذات حضور طاغٍ مثل دونالد ترامب، معتبراً أن تأثير ذلك يعتمد على موقعه الرسمي وقت الحادث، فإذا نُسب العمل لجهة خارجية، فإن النزعة نحو الردع والتصعيد العسكري ستكون الخيار الأرجح، بما يشمل فرض عقوبات فورية وتوجيه ضربات عسكرية محدودة لإعادة رسم أولويات الأمن القومي واستعادة الهيبة الجريحة أمام الرأي العام الغاضب. أما إذا كان الفاعل داخلياً، فإن البوصلة الأمريكية ستتحول نحو الداخل لضبط الخطاب الإعلامي والسياسي، وقد يدفع ذلك صانع القرار نحو تجنب المغامرات الخارجية والتركيز على مكافحة التطرف المحلي، وذلك يعتمد بالأساس على المزاج الشعبي وتوازن القوى داخل الإدارة الأمريكية.
الاستقطاب وتشكيل المستقبل السياسي الأمريكي
في قراءته لردود الفعل الشعبية، يشير الدليمي إلى أن شخصية مثيرة للانقسام مثل ترمب قد تحظى بتعاطف واسع مؤقت في حال تعرضها للاستهداف، لكن هذا التعاطف لا يلبث أن يتحول إلى مادة دسمة لتفاقم الانقسام حول تفسير الحدث وكيفية استغلاله انتخابياً.
ويخلص الدكتور الدليمي إلى أن النظام الأمريكي، رغم قوته في امتصاص الصدمات الكبرى، إلا أن أي استهداف عالي الرمزية لمكان كالبيت الأبيض أو شخصية بارزة لن يمر كحدث أمني عابر، بل سيتحول إلى مفصل سياسي يعيد توجيه السياسات الكبرى، خاصة في ملفات الحرب والسلام وإن الضرر الاستراتيجي هنا لا يقاس بحجم الدمار المادي، بل بمدى التغيير الذي سيطرأ على الأولويات الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء.










